نابلس - مهند عبد الحميد - النجاح - بعد سقوط إدارة ترامب التي أخذت على عاتقها تصفية القضية الفلسطينية من خلال مشروع "صفقة القرن".
وبعد فوز إدارة بايدن، هل يمكن القول إن تغييراً سيطرأ على الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وبأي مستوى إيجابي سيكون التغيير؟
مواقف إدارة بايدن التي عبر عنها مسؤولون وفي مقدمتهم وزير الخارجية أنتوني بلينكن تصلح كأداة قياس للتغيير المتداول.
تتبنى إدارة بايدن حل الدولتين بالمفهوم الأميركي، والذي يعني الحل المتفق عليه من قبل الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني. لكن بلينكن يعتقد "بشكل واقعي أن من الصعب رؤية آفاق قريبة المدى للتقدم في حل الدولتين" متقاطعاً بذلك مع موقف بينيت القائل إن "هذا الصراع مزمن وغير قابل للحل".  
وهنا يتجاهل المسؤولون الأميركيون حقيقة أن معسكرات اليمين واليمين المتشدد وبعض الوسط ترفض وتعارض إقامة دولة فلسطينية مبدئياً وعملياً، وهذا يعني أنه لا يمكن التوصل إلى حل الدولتين دون التغلب على الرفض الإسرائيلي المعطل للحل.
فقد أصبح في حكم المفروغ منه أنه دون ضغط أميركي ودولي على إسرائيل الدولة المعطلة والرافضة للحل، أو دون تغيير في موازين القوى، فلن تقوم قائمة لهذا الحل الذي فشل التفاوض الثنائي الإسرائيلي الفلسطيني طوال عقدين من الزمن في تحقيق اتفاق أو ما يقترب من اتفاق.  
عدم وجود آفاق قريبة المدى لحل الدولتين، ينقل إدارة بايدن إلى مستوى أقل اهتماماً بالحل وذلك عندما يحث إسرائيل والسلطة الفلسطينية على عدم القيام بخطوات من جانب واحد، مثل مطالبة إسرائيل بعدم ضم أراضٍ وتجميد التوسع الاستيطاني ووقف هدم منازل الفلسطينيين. ومطالبة السلطة بعدم القيام بإجراءات أحادية الجانب، كملاحقة إسرائيل في الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان والمحكمة الجنائية الدولية، ووقف التحريض على العنف، ووقف دعم أسر الشهداء والمعتقلين.
إدارة بايدن تسقط من حسابها وجود احتلال يرتكب جرائم حرب وينتهك حقوق الإنسان بحسب منظمات حقوقية مثل أمنستي وبيتسيلم ومجلس حقوق الإنسان، ولا تكترث بنهب الأرض والموارد الطبيعية الفلسطينية، ولا بفرض نظام أبارتهايد استعماري يضطهد شعباً بأكمله ولا يعترف بالحقوق المشروعة المعرفة في القانون والقرارات الدولية.
وفي نفس الوقت ترفض إدارة بايدن لجوء الضحايا أو بلد اسمه (فلسطين) إلى المؤسسات الدولية، وترفض مقاومة الاحتلال المنفلت والمتمرد على ميثاق الأمم المتحدة، وترفض مقاطعة دولة الاحتلال اقتصادياً وثقافياً وأكاديمياً وفي كل المجالات، وترفض فرض العقوبات على دولة الاحتلال.
هكذا تغفل إدارة بايدن كغيرها من الإدارات السابقة، الأسباب الفعلية الواضحة وضوح الشمس التي تحول دون إيجاد الحل السياسي أو حل الدولتين المصمم لمصلحة إسرائيل أكثر بما لا يقاس من مصالح فلسطين، تغفل إدارة بايدن واقع الاحتلال الإقصائي والسيطرة على شعب ونهب موارده وانتهاك أبسط حقوقه الوطنية والمدنية والإنسانية، ويغفل التمييز العنصري ضده، كل هذا تعمل هذه الإدارة على تغطيته ببرامج مساعدة اقتصادية أميركية ودعم "إنساني" وإعادة فتح القنصلية في القدس ومكتب منظمة التحرير في واشنطن.
يتقاطع هذا الموقف الأميركي أيضاً مع سياسة التهدئة وتقليص الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي التي تتبعها حكومة بينيت، والتي تستهدف مقايضة تحسين شروط المعيشة وإيجاد فرص عمل وتطوير المناطق الصناعية، ودعم الصحة وبرامج الرعاية الاجتماعية، وشبكات الطرق وغير ذلك مقابل تثبيت وتعميق الاحتلال والاستيطان وتحويله إلى أمر واقع دون ضم رسمي، وصرف النظر عن الحق الطبيعي في تقرير المصير دون وصاية من أحد، ومقابل التعايش الفلسطيني مع وقائع السيطرة والتهويد والأسرلة والتطهير العرقي في القدس والأغوار وبقاء الشعب داخل قبضة أمنية عسكرية محكمة، ومقابل تحويل وتثبيت قطاع غزة إلى سجن جماعي يضم ما ينوف على مليوني شخص.
وجاءت زيارة بينيت للبيت الأبيض واجتماعه مع بايدن وكبار المسؤولين، لتؤكد ما هو مشترك في المواقف الإسرائيلية الأميركية.
فقد أكد مقرب من بينيت "عدم وجود أفق سياسي مع السلطة في الوقت الراهن ولن يكون مستقبلا".
إن أقصى ما قدمه بينيت للبيت الأبيض هو عدم الضم الذي أقرنه بعدم إقامة دولة، علماً أنه سبق للرئيس ترامب أن أرجأ الضم بعد اتفاقات التطبيع بين إسرائيل والدول العربية الأربع، واستجاب نتنياهو لهذا الموقف.
أما بايدن فقد طالب بينيت بالامتناع عن الإجراءات التي يمكن أن تسهم في الشعور الفلسطيني بالظلم أو تقوّض محاولات بناء الثقة بين الطرفين "كإجلاء عائلات من منازلها في الشيخ جراح. وطالب بايدن ضيفه بينيت بتحسين حياة الفلسطينيين وزيادة الفرص الاقتصادية. وكما تقول افتتاحية هآرتس 29/8 "بدا بايدن كمن يتبنى الموقف الإسرائيلي الذي يقدس الوضع الحالي ويخلد الاحتلال" وتضيف الافتتاحية: لم يتوقف بايدن عند خطوات من نوع إعمار غزة وكبح السيطرة على أراضي الفلسطينيين وخلق أفق سياسي والشروع بالمفاوضات.
خلافاً لذلك لم يبادر بايدن إلى خطوة سياسية، ولا توجد خطة سياسية لحل الصراع.
مقابل ذلك أصر رئيس الحكومة الإسرائيلية في مفاوضاته مع بايدن على استمرار التوسع الاستيطاني باسم التوسع الطبيعي في الوقت الذي أظهر فيه مكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي ميزان هجرة سلبياً في المستوطنات التي يزيد عدد سكانها على 2000 نسمة بحسب صحيفة "الأيام" 21/8.
صحيح أن إدارة بايدن تختلف عن إدارة ترامب لكن الاختلاف لا يمس القضايا الأساسية كما هو مبين في التصريحات والمواقف الرسمية.
الموقف الأميركي وإن كان متبايناً إلا أنه حافظ على انحيازه ودعمه لدولة الاحتلال وأقصى ما فعله ويفعله هو محاولات تكييف الوضع الفلسطيني مع المصالح والحلول الإسرائيلية من طرف واحد.
انسجاماً مع المصالح الاستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط وهي أمن إسرائيل تدفق النفط ومكافحة "الإرهاب" واحتواء إيران بحسب التعريف الأميركي. ولا وجود لفلسطين إلا بالقدر الذي تؤثر فيه على أمن إسرائيل وعلى مكافحة "الإرهاب".  
بعد طول فشل في الرهان على الموقف الأميركي، هل يعقل الاستمرار في التجريب  والانتقال إلى رهانات أخرى.
منطق الأمور يستدعي تغييراً في السياسات، فلا يعقل استمرار تكرار الموقف من نوع الدعوة لمؤتمر دولي والمطالبة بتأمين الحماية للشعب الفلسطيني من الأطراف المسؤولة عن تأمين الحماية والغطاء للاستباحة الإسرائيلية للحقوق الفلسطينية الوطنية والمدنية والإنسانية.
إن تكرار استجداء التفاوض والمؤتمر الدولي والحماية في غياب مقومات وركائز فعلية، يعني في المحصلة الأخيرة التعايش مع الأمر الواقع ومع سياسة تحسين شروط المعيشة وتبريد أو تقليص الصراع.
الشعب الفلسطيني يملك الحل ولم يعد أمامه من خيار إلا إعادة بناء البيت الداخلي على أسس ديمقراطية وعلى أساس التحرر من الاحتلال والتحرر من كل التدخلات الخارجية، وبوضع سياسة وبرامج خلاقة ضد الاستيطان والنهب والاحتلال والقمع والحصار.
وما يشجع على ذلك التحولات والتغيرات التي يشهدها العالم لمصلحة الشعب الفلسطيني، فقد أصبح 50% من الشعب الأميركي مع فلسطين وضد الاحتلال.