نابلس - عقل أبو قرع - النجاح - في هذه الأيام، مع الحرائق والفيضانات وفقدان التربة الزراعية، أي التصحر وارتفاع حرارة الأرض وشحّة المياه والتلوث بأنواعه، سواء تلوث الهواء أو المياه أو التربة أو الطعام، والتصاعد الكبير في نسبة الأمراض غير السارية أو المزمنة وحتى ظهور آفات جديدة وبالتالي أمراض أو أوبئة جديدة، وتصاعد حدة مقاومة البكتيريا للأدوية وخاصة المضادات الحيوية، وظهور فيروس كورونا، الذي أرهق وأربك العالم وما يزال يخيف الجميع بتحوّراته المتنوعة، وفي ظل كل ذلك، لا يجادل الكثير وكما كان يحدث في السابق، بحدوث التغيرات البيئية والمناخية والإخلال بالتوازن الطبيعي البيئي والتنوع الحيوي، وما إلى ذلك من تداعيات، والذي تم ويتم بفعل نشاطات البشر على مدى العقود الماضية.
وفي ظل ذلك، وفي ظل غياب ما يعرف بـ "العدالة المناخية"، في العالم، أي تأثر الفئات الأكثر هشاشة أو الأدقع فقراً أو الأكثر ضعفاً، بما تحدثه الفئات الأكثر قوة أو الأغنى أو المحصنة أكثر، فإنه وبدون شك أن تأثيرات التداعيات البيئية والمناخية سيكون أكثر على هذه الفئات من الدول والمجتمعات والمناطق، وفي داخل المجتمع الواحد، سوف تتأثر الفئات الأكثر هشاشة أو الأقل قدرة على الوصول الى المصادر والفرص وتحقيق الإمكانيات وملاءمة الظروف حسب المتغيرات، وهذه الفئات سوف تعاني وتخسر اكثر، وبمعنى آخر سوف يكون التأثير من منطلق النوع الاجتماعي، أكثر حدةً على النساء أو على المرأة بشكل فردي أو جماعي، ومن ضمنها المرأة الفلسطينية.
فالنوع الاجتماعي يعني وبوضوح، وجود فئات لها خصوصية اجتماعية وسلوكية وثقافية وتربوية، وليس بالاعتماد على الاختلاف الجنسي أو الجنس فقط، تختلف عن الفئات الأخرى الموجودة في المجتمع، أي بالتحديد هذه الفئات هي المرأة والرجل، من حيث الخصوصية ووسائل التعامل أو التواصل أو الوصول اليها، ومن حيث مستوى أو مدى توفر الفرص والإمكانيات، ومن حيث الالتزامات والمسؤوليات، ومن حيث توفر الوسائل في مجالات الحياه المختلفة، سواء في حيز العمل أو الاقتصاد أو الوصول إلى الرعاية الصحية، أو توفر فرص التوظيف أو التعليم أو المنافسة السياسية والاجتماعية والثقافية، أو من حيث الحصول على الأجر وعلى الاستحقاقات، أو التأثيرات الاقتصادية والتربوية.
 ومن هذا المنطلق فإن التغيرات البيئية والمناخية في العالم، سوف تكون تداعياتها بأشكال مختلفة وبشدة متفاوتة من منطلق النوع الاجتماعي، وبالتحديد على المرأة أكثر من الرجل، وفي بلادنا على المرأة الفلسطينية بصوره أوضح وأعنف وأكثر حدة.  
حيث سوف تكابد المرأة أكثر للتأقلم مع ظروف بيئية ومناخية وصحية وزراعية وحتى تنموية جديدة وصعبة، وبالأخص في المناطق الفقيرة والمهمشة والريفية والبعيدة عن الخدمات وعن إمكانية توفر الفرص أو الوسائل، وكل ذلك بفعل التغيرات البيئية التي أحدثها البشر، وبشكل رئيسي الجزء الآخر من النوع الاجتماعي أي الرجل، وبالتحديد في المناطق الغنية المتقدمة والتي توفر وسائل التكيف وإمكانيات التغلب على التغيرات في النظام البيئي والنظام الحيوي، أكثر بكثير من المناطق الفقيرة.
 وهذا ينطبق وبوضوح على الواقع الفلسطيني من منظور النوع الاجتماعي، وبالتحديد على المرأة الفلسطينية، التي تعمل في الزراعة، وبالتالي تفقد التربة وخصوبتها التي اعتادت على زراعتها والعيش منها، أو في الصناعة، وبالتالي تعاني من التلوث وبأنواعه، أو تجاهد للحصول على المياه النظيفة غير الملوثة، أو الطعام السليم الآمن، او تكون المرأة الأكثر تعرضاً  للأمراض الجديدة بفعل الآفات الجديدة التي تظهر بسبب التغيرات المناخية أو تزايد الأمراض المزمنة، أو التي تضطر الى الهجرة أو تغيير المكان بسبب التصحر وارتفاع الحرارة وتضاؤل الحيز المكاني القابل للحياة.
ومن خلال خبرتي في التعامل مع المزارعين ولعدة سنوات، خلال عملي في جامعة بيرزيت منتصف تسعينيات القرن الماضي، من خلال برامج تثقيفية عملية حول الاستخدام الآمن والفعال للمبيدات الكيميائية، وبالتحديد في المناطق ذات الزراعة المكثفة، مثل منطقة الأغوار وشمال الضفة وفي قطاع غزة، فإن المرأة أو النساء هم الأكثر هشاشةً أو تعرضاً وبالتالي أكثر تأثراً باستخدام المبيدات الكيميائية، حيث تشارك المرأة في عملية تحضير المبيد للرش وفي عملية الرش وفي دخول الحقل بعد الرش وفي عملية القطف وتسويق المحصول، وقد تكون المرأة حاملاً أو مرضعاً أو مع أبنائها بدون إجراءات وقائية مطلوبة، ويمكن تصور الآثار الوخيمة التي سوف تتعرض لها المرأة في العالم وعندنا في ظل التغيرات المناخية الحالية من شدة الحرارة وشحة المياه والتصحر، والأخطر ظهور آفات جديدة تتطلب مبيدات أكثر أو وسائل مقاومة أشد.
والتغيرات البيئية تؤثر كذلك على المرأة بشكل شديد من خلال ندرة المياه النظيفة الصالحة للاستعمال البشري، حيث تؤكد تقارير دولية ان مياه قطاع غزة على سبيل المثال ملوثة بنسبة تصل الى حوالي 95%، سواء من ناحية التلوث البيولوجي أو الكيميائي من معادن ومواد عضوية وغير عضوية، وأن مياه مناطق الأغوار تزداد فيها نسبة الملوحة باطراد، بسبب الاستهلاك المتزايد للمستوطنات، وبأن مناطق في جنوب الضفة وحتى في الوسط لا تصل فيها المياه الى المنازل الا يوماً أو عدة أيام في الأسبوع، ولكل ذلك آثار وخيمة على المرأة التي تدير المنزل وتربي الأولاد وتحافظ على صحة البيت وسلامة الطعام.  
وتتأثر المرأة بشكل أوضح وبعيد المدى بما يحدث من تغيرات بيئية مناخية انعكست على شكل ارتفاع درجة حرارة الأرض الكبير والمستدام خلال السنوات الماضية، وتضاؤل كمية الأمطار، وتشكل الأمطار الحامضية، والجفاف وتهديد التنوع الحيوي، وتداعي الأمن الغذائي، وما يمكن أن يجر ذلك من تداعيات وكوارث لم يعتدها نظامنا البيئي من قبل، وما حدث في دول أوروبية وتركيا من كوارث الفيضانات خلال الأيام القليلة الماضية، هو دق لناقوس الخطر الحقيقي، بما سوف يفرزه التغير المناخي على العالم بأكمله.     
وتكون المرأة الأكثر هشاشة من التغيرات البيئية على شكل التلوث البيئي، بشكل مباشر أو غير مباشر، حيث أشار أحد التقارير الدولية إلى أن تلوث الهواء فقط، يؤدي إلى وفاة حوالي أربعة آلاف شخص يومياً في الصين مثلاً، وكل ذلك بسبب انبعاث الغازات الى الجو، الذي أحدثته النشاطات الاقتصادية المكثفة خلال السنوات الماضية، والفئات الأكثر وفاة من هذا التلوث هي النساء والأطفال وأصحاب الأمراض المزمنة.  
وحسب أحد التقارير الدولية، سوف يخسر العالم التربة الصالحة للزراعة، المتوفرة حالياً، خلال الـ 60 عاماً القادمة، اذا استمر الوضع الحالي على ما هو عليه، والذي يؤدي الى تداعي خصوبة التربة وبالتالي عدم إمكانية زراعتها، والسبب الأساسي لذلك هو التغيرات المناخية التي يحدثها البشر، وبالأخص الدول الصناعية الكبرى والتي تتحكم في الاقتصاد العالمي، من خلال زيادة بث الغازات والملوثات الى طبقات الجو، وما ينتج عن ذلك من ارتفاع درجة حرارة الأرض والتربة، ومن زيادة التصحر، اي عدم القدرة على زراعة التربة، وبدون شك أن النساء هن الأكثر تأثراً من ذلك.
وفي ظل ذلك، ومع تبدل الأولويات من منطلق النوع الاجتماعي بفعل هذه التغيرات البيئية المناخية السريعة والعنيفة، سوف تتمحور اهتمامات المرأة ومن ضمنها المرأة الفلسطينية، على التركيز على الحفاظ أو الحصول على الأشياء الأساسية للحياة، من مياه نظيفة وإنتاج زراعي آمن وهواء غير ملوث وحيز للعيش بعيداً عن الفيضانات والتصحر وشدة الحرارة والآفات والأمراض، وهذا يعني الابتعاد أكثر للمرأة عن التطلع الى إحداث تغييرات قاعدية على المستوى القيادي السياسي والاجتماعي، من أجل الحصول على حقوقها وفرصها ومسؤولياتها من منطلق النوع الاجتماعي في المجتمع الذي تحيا فيه.