نابلس - النجاح - كانت صدمة حركة «النهضة»، وهي حركة «الإخوان المسلمين» فرع تونس، كبيرة عندما قام الرئيس التونسي قيس سعيد بإعلان التدابير الاستثنائية وفقاً للمادة (80) من الدستور والتي تضمنت تجميد عمل البرلمان ورفع الحصانة عن أعضائه وإعفاء رئيس الحكومة من منصبه. وهذا بعد أن عانت البلاد من حالة شلل وانسداد أفق سياسي أدى إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية – الاجتماعية  بالإضافة إلى سوء إدارة الأزمة الصحية الناتجة عن انتشار جائحة «كوفيد ـــ 19»، نتيجة للتجاذبات السياسية والصراع على السلطة. هذه التدابير التي أعلن أنها مؤقتة ولا تستهدف المساس بالمسار الديمقراطي أو حقوق المواطنين والحريات العامة، لاقت استحسان الجمهور التونسي الذي أعربت شرائحه وقطاعاته المختلفة عن تأييدها لها، خاصة أنها أتت بعد نزول المواطنين للشارع للاحتجاج ضد حركة «النهضة» وضد البرلمان الذي تقوده. وبالتالي هي من وجهة نظر الكثيرين تعبر عن مطلب جماهيري.
صدمة «النهضة» تم التعبير عنها برفضها لهذه التدابير واعتبارها لها بأنها انقلاب على السلطة الشرعية. ولكن الحركة التي دعت الشعب للتظاهر كما تقول حماية للدستور والنظام الديمقراطي فشلت في تحريك الشارع الذي لم يستجب لدعواتها. بل خلقت الإجراءات التي اتخذها الرئيس سعيد أزمة داخل حركة «النهضة» نفسها فقام بعض قادتها بالاستقالة. وبعد اللهجة التصعيدية التي عبر عنها زعيم الحركة ورئيس البرلمان راشد الغنوشي، عادت الحركة لتغيير لهجتها والتحدث عن أخطائها علها تحصل على فرصة للاتفاق مع الرئيس وللبقاء في السلطة والحفاظ على مواقعها. ولكن على ما يبدو قد فات القطار ولم يعد بالإمكان العودة إلى الوراء.
في الواقع، فشلت حركة «النهضة» في الحكم الذي كانت على رأسه منذ الثورة التونسية في العام 2011، وشاركت فيه في كل هذه الفترة بطرق شتى. فهي قامت بإدارة البلاد بصورة سيئة للغاية تميزت بفساد وقمع للحريات وللمعارضين إلى مستوى قتل بعض زعماء اليسار الذين تميزوا بمعارضتهم الشديدة لنهج الحركة. والآن، يواجه عدد من قادة الحركة تهم فساد. وحسب تقرير دائرة (محكمة) المحاسبات، هناك خرق للقانون في سلوك «النهضة» بحصولها على التمويل من الخارج بصورة مخالفة للقانون عدا مخالفات إدارية ومالية أخرى. وبالمناسبة هذا تقرير رسمي صدر قبل الأزمة الأخيرة. وإذا ما تمت معالجة التقرير عبر الجهات القضائية فسيثبت تورط قادة «النهضة» في سلوك فاسد وسيذهب بعضهم للسجن، وهذا يمس بصورة جدية بحظوظ الحركة في أي انتخابات قادمة بالإضافة طبعاً إلى تحملها مسؤولية الفشل في إدارة البلاد وخلق أزمة السلطة.
سقوط «النهضة» الكبير هذا يضاف إلى سقوط حركة «الإخوان المسلمين» في كل الدول التي حكموا فيها عملياً أو كانوا الحركة التي قادت البلاد في مرحلة اندلاع الثورات في العالم العربي. فهم قد فشلوا في مصر مع أنهم فازوا في الانتخابات، وعادوا للعمل كتنظيم إرهابي يمارس القتل ضد الجيش ورموز السلطة، وفشلوا في سورية بعد أن لجؤوا للتحالف مع «جبهة النصرة» والتنظيمات الإرهابية ومارسوا العنف أسوة بها. وفشلوا في ليبيا بعد تحالفهم مع نظام أردوغان في تركيا واستجلابهم للمرتزقة والإرهابيين من سورية. وهذا يؤكد بصورة قاطعة بأنهم لا يملكون بديلاً أفضل من الأنظمة الدكتاتورية التي ثارت الشعوب ضدها. فهمهم الوحيد هو استبدال السلطات القائمة بسلطة تابعة لهم لا تملك ما يغير حياة المواطنين نحو الأفضل. والسبب يعود للأيديولوجيا التي تحركهم فهي أبدا لا تؤمن بالديمقراطية والتعددية وحرية الرأي والتعبير، وتقوم على التكفير وتجريم الآخر المختلف سياسياً واجتماعياً وفكرياً ودينياً ومذهبياً. وهذا مناقض لتوجهات المواطنين الذين قاموا بالثورة ضد أنظمة دكتاتورية وفاسدة.
الشعوب تريد تنمية حقيقية تضمن لهم حياة كريمة اقتصادية - اجتماعية وتكفل لهم الحرية في التنظيم والعمل السياسي والتعبير عن الرأي والتعددية السياسية والاجتماعية والثقافية والفكرية، وتصون الديمقراطية كنظام حكم يساوي بين الناس ويؤدي إلى تداول السلطة بشكل سلمي بالاحتكام إلى انتخابات دورية تعبر عن رأي المواطنين ومواقفهم. وما قدمته حركة «الإخوان» هو النقيض تماماً لأهداف ثورات ما يسمى «الربيع العربي». ولو أخذنا حركة حماس نموذجاً كذلك سنرى أن إدارتها للحكم سواء عندما كانت في الحكومة أو في الوضع الحالي في غزة ليس بأفضل من السلطة التي تتهمها «حماس» بالفساد بل بالعكس كانت إدارة سيئة ارتكزت على مبدأ المحاصصة والهيمنة وقمع المعارضين وكان همها الوحيد استبدال «فتح» أو تقاسم السلطة معها مناصفة.
بدون شك، ستؤدي أزمة «النهضة» في تونس إلى تضعضع مكانة «الإخوان المسلمين» على مستوى العالم العربي. وهي بالأساس تدهورت بعد الفشل في كل المواقع تقريباً. ولا يبدو أن لدى الحركة أي خطة حقيقية يمكنها أن تقنع الناس بأنها ستشكل يوماً بديلاً واقعياً لأنظمة حكم ملها الناس ورغبوا في تغييرها. وهذا الوهم الذي تولد لدى المواطنين بأن البديل في الإسلام السياسي بسبب هيمنة حركة «الإخوان» على المشهد السياسي لعدم وجود أحزاب ديمقراطية قوية يمكنه أن يحمل لواء التغيير المنشود، يتبدد، الآن، إلى غير رجعة.