نابلس - النجاح - أحد أسباب الأزمة السياسية التونسية يكمن في دستورها الذي وُلد بعيوب مرحلة «ما بعد الثورة»، التي اعتبرت أن مواجهة الاستبداد تكون بتقليص صلاحيات رئيس الجمهورية وتحصين البرلمان، حتى وضعت صلاحيات الرئيس في منازعة مع رئيس الحكومة وأصابت النظام السياسي بالشلل.
والحقيقة أن كثيرا من مواد الدستور المصري كانت أكثر رشادة وقربا من الواقع من نصوص الدستور التونسي، وأنه لو كان الأخير أخذها بعين الاعتبار لربما عبَرَتْ تونس أزمتها.
فالدستور التونسي لا يعطي لرئيس الجمهورية الحق في حل البرلمان، وهو أمر جيد، ولكنه لا يعطي الشعب الحق في أن يسحب الثقة من البرلمان، وهو كارثة .. ولنا أن نتصور لو كان الدستور التونسي نص على أن من حق الرئيس أن يدعو الشعب للاستفتاء على سحب الثقة من البرلمان لكانت النتيجة بأغلبية كبيرة مع سحب الثقة، ولم يكن قيس سعيد في حاجة إلى قرار استثنائي محل جدل بتجميد عمل البرلمان لمدة شهر.
المادة 137 من الدستور المصري تنص على أنه: «لا يجوز لرئيس الجمهورية حل مجلس النواب إلا عند الضرورة، وبقرار مسبب وبعد استفتاء الشعب، ولا يجوز حل المجلس لذات السبب الذي حُل من أجله المجلس السابق».
كما أنه من اللافت أيضا أن الصلاحيات التي أُعطيت للرئيس التونسي في الفصول من 77 إلى 82 ومن 87 إلى 89 أقل بكثير من صلاحيات رئيس الوزراء، في حين أن ما هو مستقر في مجال النظم السياسية أنه طالما انتُخب الرئيس مباشرة من الشعب، فهذا يعني أننا أمام نظام رئاسي، أما إذا انتُخب من البرلمان فيعني أننا أمام نظام برلماني يقوده رئيس الحكومة ويصبح دور رئيس الجمهورية رمزيا.
في كل من مصر وتونس، الرئيس منتخب من الشعب، بما يعني أنه من الطبيعي أن تكون له صلاحيات تنفيذية واسعة، وأي تهميش لصلاحيات رئيس الجمهورية كما جرى في تونس يصيب النظام بالشلل.
واللافت أيضا أن الرئيس في تونس ليس له حق اختيار الوزراء، بمن فيهم وزراء السيادة، وأذكر أن هذه المادة (146) اقترحتها في لجنة الخمسين ونالت موافقة أغلبية الأعضاء، ودعمها عمرو موسى رئيس اللجنة، وتنص: «يكون لرئيس الجمهورية، بالتشاور مع رئيس مجلس الوزراء، اختيار وزراء الدفاع والداخلية والخارجية والعدل». وفي تونس، يختار رئيس الوزراء كل الوزراء بمن فيهم وزير الدفاع الذي يكتفي فيه بالتشاور مع رئيس الجمهورية.
يقينا، مشكلة الدساتير في العالم العربي أنها لا تُطبق في كثير من الأحيان، وفي بلد مثل تونس الدستور حاضر بقوة، ويحاول كل طرف أن يعلن تمسكه به، وهو ما سيعني أنه لو كان كُتب بطريقة مختلفة لتغير ربما الوضع الحالي، وتبقى الفرصة القائمة في إجراء تعديل على بعض فصوله لتتجاوز تونس جانبا من أزماتها.

الكاتب:عمرو الشوبكي