نابلس - عبد الغني سلامة - النجاح - يُقال: إن الشعراء والأدباء إذا نشبت بينهم خلافات شخصية سرعان ما تظهر قصائد الهجاء والذم والسخرية.. أما العلماء فينقدون بعضهم دون حرج، ويبني كل عالم نظريته متكئاً على من سبقه، حتى لو كشف أخطاءه، بروح من التنافس العلمي.. فهل هذا صحيح دائماً؟
على مر التاريخ، شهدت مجالات العلوم والاختراعات العديد من القصص الاجتماعية والإنسانية بين جمهور العلماء والمخترعين والمستكشفين، فيها العداوات والخلافات والحسد والتنافس، وبعضها لا تخلو من الطرافة، لكنها في العموم أتت كسباق علمي تنافسي، سارعت في عملية التطور وتراكم المعرفة، وأفادت البشرية، وأسهمت في ظهور نظريات جديدة ودحضت الكثير من المفاهيم القديمة والخاطئة. إليكم بعض الأمثلة:
يعتبر "نيوتن"، الشخص الأكثر تأثيراً على التفكير العلمي، فهو مكتشف قوانين الجاذبية، ومؤسس علم الميكانيكا الكلاسيكية، ومبتدع حساب التفاضل والتكامل، وقد كانت شخصيته مثيرة للجدل؛ كان يكيد لزملائه في الجمعية العلمية الملكية، ويتآمر ضدهم، بالذات ضد مواطنه "روبرت هوك"، مخترع أول مجهر، ومكتشف الخلية، والذي ادعى أن "نيوتن" سرق منه فكرة قوانين الجاذبية.. لم يتزوج نيوتن، ولم تكن لديه علاقات حقيقية مع النساء، ولم يكوّن صداقات قويّة، وكان يكنّ مشاعر عدائية تجاه أمه بسبب هجرها له وزواجها بعد وفاة والده، وتذكر بعض المصادر أنه هدد بحرق والدته وزوجها في واحدة من نوبات غضبه، بل إن أمه وبعد أن ترملت مرة أخرى وعادت لتعيش معه أخرجته من المدرسة ليشتغل في مزرعة العائلة.. ويُقال: إنه ذات مرة طلب من خادمه أن يقرب إليه المدفأة الحجرية (وهي جزء من الحائط)، فقال له الخادم: من الأسهل لو تقترب منها أنت، ففكّر قليلاً وقال: بالفعل.. بعد تعرضه لانهيار عصبي لم ينجز أي بحث في آخر ثلاثين سنة من عمره.
ويُقال: إن العالم البريطاني "ألفرد والاس" هو من ابتدع نظرية "الاصطفاء الطبيعي"، وليس "داروين"، فبينما كان "والاس" يتماثل للشفاء من نوبة ملاريا أصابته في جزيرة إندونيسية نائية خطرت بباله فكرة التطور، فدوَّن نظريته خطياً وبعث بها إلى زميله "داروين"، الذي قال له: إنه كان يفكر منذ سنوات في نظرية مشابهة عن النشوء والارتقاء. لكن تأخر "والاس" في طرحها على الملأ، مكّن "داروين" من طرحها، مستغلاً علاقاته الشخصية.
وبذلك طوى النسيان "والاس"، وأخذ "داروين" كل المجد، لكن متحف التاريخ الطبيعي في لندن صحح هذا الخطأ ولو متأخراً، فعلّق بجانب تمثال داروين في القاعة الرئيسة للمتحف صورة ضخمة لوالاس، ونشر مراسلاته على شبكة الإنترنت.
وفي المناظرة الشهيرة التي نظمتها جامعة أكسفورد عام 1860 لمناقشة كتاب "أصل الأنواع"، دار نقاش ساخن بين "ريتشارد أوين" و "توماس هكسلي"، وهما أهم علماء التشريح في القرن التاسع عشر. "أوين" كان رافضاً لنظرية التطور، ولم يكن قادراً على التخلي عن فكرة النماذج الجاهزة للكائنات التي رسمها الله، وسخر من "هكسلي" لفكرة أن البشر تطوروا من القرود.. بينما دافع "هكسلي عن نظرية داروين.. المفارقة أن "أوين" ابتدع كلمة "ديناصور"، ومعناها "سحلية رهيبة"، بينما نحت "هكسلي" مصطلح اللاأدرية لوصف آرائه الخاصة في اللاهوت.
كما شهد القرن التاسع عشر تنافساً حاداً بين عالم البيولوجيا "لويس باستور"، ونظيره الألماني "روبرت كوخ"، في فترة الصراع بين فرنسا وألمانيا.
"باستور" مؤسس علم الأحياء الدقيقة والتطعيم العلاجي والوقائي، ومن أوائل من اكتشف العلاقة بين الميكروبات والأمراض، ومخترع عملية "البسترة". بعد أن توفّي ثلاثة من أبنائه بالتيفوئيد، تخصص في دراسة الأوبئة، إلى أن ابتدع علم التطعيم، وركز على الجمرة الخبيثة.. بالتزامن مع ذلك، اهتم "كوخ" بنفس المرض، وتمكن من تحديد البكتيريا المسببة له، ثم اشتد التنافس بين الرجلين فتمكن "باستور" من ابتكار لقاح لداء الكلَب، بينما نجح "كوخ" في تحديد البكتيريا المسببة للسل. وهذا يشبه التنافس التجاري بين شركات لقاح "كورونا" اليوم، إلا أنه كان تنافساً علمياً مسنوداً سياسياً.
تكريماً للرجلين، أسست فرنسا معهد باستور، بباريس، وأسست ألمانيا معهد كوخ، ببرلين. وقد صنّف هذان المعهدان كأول وأهم المعاهد المتخصصة في الأبحاث وعلوم الأحياء الدقيقة والأمراض واللقاحات.
جميعنا نعرف "إديسون"، مخترع المصباح الكهربائي، والذي أضاء العالم، ونال عشرات براءات الاختراع، ومؤسس "جنرال إليكيتريك".. لكن القليلين منا من يعرف "تسلا" العالم الصربي، الذي بدأ حياته مساعداً لإديسون، ثم صار أحد أهم المخترعين على مر التاريخ.
نذر "تسلا" حياته للعلم، وكانت أهم اختراعاته التيار المتردد، الذي لولاه لتوقفت عجلة الصناعة، وغرقت المدن في الظلام، لم يأبه بجمع المال، بل إنه تنازل عن حقوقه الفكرية، وعاش مظلوماً، ولم يحصل على التقدير اللائق له ولأعماله. بينما بذل "إديسون" كل ما بوسعه لمنع نجاحه، ولتحقيق الثروة.
في الصراع الدائر بين الرجلين رفض "إديسون" مقترحات "تسلا" التي عرضها على شركة ويستنجهاوس، وقال عنه: "هو شاعر العلم، أفكاره رائعة، ولكنها غير عملية"، إلا أن "تسلا" انتصر على "إديسون" بحرب التيارات (المتردد والمستمر). مع أن "إديسون" لعب على مخاوف الناس من الصعقة الكهربائية، لدرجة قيامه بكهربة وقتل بعض الحيوانات على الملأ ليوضح خطورة التيار المتردد.
أما "تسلا" فقال عن "إديسون": "لا يتمتع بأي هواية، ولا يهتم بنظافته الشخصية". وعند وفاة "إديسون" كان "تسلا" يبلغ من العمر 75 عاماً، وحينها خصصت له مجلة التايم غلافها، كما مُنح "وسام إديسون" تكريماً له.
كما شهدت الساحة العلمية نزاعاً بين "تسلا"، و"أينشتاين"، الذي هنأه بعيد ميلاده الخامس والسبعين قائلاً: "باعتبارك أحد أهم الرواد في مجال التيار الكهربائي، أهنئك على النجاح الكبير الذي حققته في حياتك". بينما لم يتقبل "تسلا" فيزياء الكم ولا النظرية النسبية وقال: "عمل أينشتاين في النظرية النسبية هو غلاف مبهر يجعل الناس عُمْياً عن إدراك الأخطاء الكامنة به. فالنظرية مثل شحاذ يرتدي زي مهرج".
في النهاية تحوّل العالم العبقري والذي أبهر العالم إلى عجوز غريب الأطوار، يعيش وحده في غرفة بأحد الفنادق، فقيراً، يقضي وقته في إطعام الحمام في شوارع نيويورك.