نابلس - رجب أبوسرية - النجاح - بعد جولة أولى، ها هو مسؤول الملف الفلسطيني/ الإسرائيلي في الخارجية الأميركية السيد هادي عمرو، يصل تل أبيب ورام الله تباعا، في مهمة، لا يمكن القول كما كان حال سابقتها، إنها تبحث في ملف التهدئة بين غزة وإسرائيل، فقط، حيث إن أول ما يلفت الانتباه، هو عدم إحاطة الزيارة بالكثير من الضوء الإعلامي، خشية أن يرتفع سقف توقعات المتابعين والمراقبين، من الزيارة، بل ومن الدور الأميركي في رعاية الملف الفلسطيني/ الإسرائيلي، في كل تفاصيله، بما يتوافق مع طبيعة إدارة جو بايدن، التي تتسم بالهدوء والبطء في متابعة الملفات التي تهمها كافة، والتي تتسم أيضا بالحذر الشديد، وعدم الولع بالصخب الإعلامي، كما كان حال سابقتها على الأقل.
رغم ذلك فإنه لا يمكن تجاهل هذه الزيارة، التي لم تكن الأولى، والتي لن تكون الأخيرة بالطبع، ورغم أنها قد تكون جولة استكشاف، إلا أنها تقوم بتعبيد الطريق الإجباري، الذي لابد من ولوجه لاحقا، وهو طريق المفاوضات، وتقوم بذلك عبر بعض الإجراءات التي لا تحقق مهمة نزع فتيل التوتر، أو التخفيف من الاحتقان وحسب، بل وتفتح الباب الذي كانت إدارة دونالد ترامب قد أغلقته خلال أربع سنوات مضت، وهو باب الحوار بين واشنطن ورام الله.
أي أن إدارة بايدن قد حققت إنجازا بمجرد دخولها البيت الأبيض، وتمثل بعودة الاتصال مع السلطة الفلسطينية، وهي قد فعلت ذلك من خلال وعود بتقديم إشارات، لا ترتقي إلى مستوى المبادرة السياسية، ولكن لها علاقة بتفاصيل الحياة الفلسطينية، وهي لم تظهر كسابقتها التي بدأت عهدها قبل أربع سنوات بالإعلان الكبير عن صفقة عصر، ووضع حل دونكيشوتي لملف شائك، وصراع مزمن، بضربة عصا سحرية، استنادا إلى قوة الضغط لإجبار الجانب الفلسطيني، على التسليم بالشروط الاحتلالية، بل أظهرت إدارة بايدن قدرا من التواضع السياسي المحمود والواقعي، ولكن الذي قد لا يفعل شيئا في نهاية المطاف، لذا فهو بحاجة إلى متابعة حثيثة، فالنجاح بإنجاز التفاصيل، لا بد أن ينتهي بشق الطريق الصعب، الطريق التفاوضي، الذي لا بد أن يضع حلا لصراع مزمن كان ولا يزال بمثابة صاعق تفجير لكل الشرق الأوسط.
خمسة أيام كاملة تستغرقها زيارة عمرو لتل أبيب ورام الله، يبحث خلالها مع المسؤولين على الجانبين أربعة ملفات تعتبر محل خلاف وباعث التوتر الحالي، وهي إعادة إعمار غزة، وسياسة هدم المنازل، كذلك آلية نقل الأموال لغزة، كذلك التعرف عن قرب على المسؤولين الإسرائيليين الجدد في حكومة التغيير التي تبعت حكومة بنيامين نتنياهو، والوقوف عند سياستها فيما يتعلق بالوضع في غزة والضفة الغربية.
السلطة الفلسطينية من جانبها، أعدت قائمة تتضمن 14 مطلبا ولم تكتف فقط بمناقشة قضيتي إعمار غزة ونقل الأموال لها، وهدم المنازل في الضفة الغربية، في محاولة منها لرفع سقف التدخل الأميركي، ليصل إلى إعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل العام 2000، أي إعادة الجانب الإسرائيلي للالتزام بالاتفاقيات الموقعة بين الجانبين والالتزام بأوسلو، لمتابعة طريق الحل السياسي لاحقا، وهذا أمر تكتيكي جيد جدا، وبالنظر إلى أن عمرو سينجح على الأغلب في كبح جماح الاندفاع الإسرائيلي في هدم المنازل وإطلاق المستوطنين في حرب تشعل الضفة الغربية، كذلك في التوصل لآلية تسمح بدخول الأموال مجددا، وبشكل مضمون لاحقا لغزة، فإن ذلك سيعني نزع فتيل التوتر، وضمان حالة هدوء بين إسرائيل وفلسطين بجهتيها، وبما يهيئ الأجواء للانتقال لاحقا لمستوى أعلى من معالجة تفاصيل العلاقة بين الجانبين، فيما يبقى الدخول في التفاوض حول الوضع النهائي، يحتاج الكثير من الوقت والجهد.
استعراض المطالب الفلسطينية الأربعة عشر يوضح بأنها كلها تعني العودة لما كان عليه الحال قبل العام 2000، أي قبل عملية السور الواقي، بما يعيد الاعتبار للسلطة كقوة سياسية قادرة على تحمل مسؤولية الحل النهائي، كذلك يعيد الثقة إلى أن الحل سيتحقق وفق صيغة حل الدولتين، وكنس كل ما حاول كل من نتنياهو وترامب شقه من طريق آخر، هو طريق إدامة الاحتلال، وتكريس الحكم الذاتي وقطع الطريق على الدولة الفلسطينية المستقلة.
وفي حال تمت متابعة هذا المسار، فإن إعادة الأجواء إلى ما كانت عليه قبل العام 2000، ستعيد المسار على الجانب الفلسطيني الداخلي، بحيث يمكن بكل سهولة إجراء الانتخابات، وتوحيد شطري الوطن، وطرفي المعادلة السياسية، المهم هو مواجهة تحديين، حيث نعتقد بأن واشنطن ورام الله جاهزتان للدخول في متابعة تفاصيل، تفتح الطريق للتفاوض فيما بعد، لكن المعيقات على الجانبين تتمثل في طبيعة الحكومة الإسرائيلية من حيث هي مختلطة، فيها من اليمين أكثر مما فيها من اليسار، وتواجه معارضة قوية، لا تزال تخضع لسيطرة نتنياهو شخصيا، الذي ما زال كما حدث مع ترامب لا يستوعب خروجه من مكتب رئيس الوزراء، لذا فقد قامت واشنطن بمنح الحكومة الإسرائيلية وقتا، وفي الجانب الفلسطيني هناك «حماس» ومجموعات غزة العسكرية التي بالقطع ترفض العودة لما كان عليه الحال قبل العام 2000.
وأخطر ما في الأمر هو خضوع غزة لحسابات إقليمية عديدة، لذا فإن التوصل لحل الملف النووي الإيراني من جهة، كذلك وضع آلية دائمة لدخول الأموال القطرية لغزة، يعني بأن طرفي التأثير الإقليمي على غزة، قد تصالحا مع الرعاية الأميركية لحل ملف الصراع الفلسطيني/ الإسرائيلي.
وما يلفت الانتباه، هو أن الأجواء بين رام الله وواشنطن خاصة مع الحديث عن فتح القنصلية الأميركية في القدس الشرقية، هي على خير ما يرام، لدرجة أن رام الله لم تعد تتحدث عن مفاوضات مشروطة بعدم التفرد الأميركي برعاية التفاوض، بل بات لديها طموح أو استعداد لمتابعة التفاوض من حيث توقف العام 2014.
آخر ما يمكن قوله إن مسارا كهذا يتابع التفاصيل بشكل حثيث ومثابر، هو طريق يمكنه أن يحقق النجاح، لكن مع شرط عدم ظهور طارئ إقليمي أو داخلي على طرفي العلاقة، أي في الجانب الإسرائيلي، أو الجانب الفلسطيني، فضلا عن الإقليم، حيث إن الوقت دائما مثل السيف، إن لم يقطع حبل الاستعصاء على الحل، قطع حبل الحل نفسه.