باسم برهوم - النجاح - كان وقع هزيمة حزيران/ يونيو 1967 على الأمة العربية كبيرا جدا، لأن إسرائيل في حرب خاطفة لم تستغرق سوى ستة أيام، احتلت ما تبقى من فلسطين التاريخية (الضفة الغربية بما فيها شرقي القدس وقطاع غزة)، كما احتلت هضبة الجولان السورية، الغنية بينابيع المياه، وصحراء سيناء المصرية. 

في ستة أيام أصبح جيش الاحتلال الإسرائيلي يرابط على الضفة الشرقية لقناة السويس وعلى بعد 40 كيلومترا من دمشق. وقع الهزيمة كان كارثيا على المشروع القومي النهضوي والوحدوي الذي كان يقوده الرئيس المصري جمال عبد الناصر، لذلك بادر للاستقالة والتنحي لحظة توقف مدافع  الحرب، لكن أنهار الجماهير المصرية والعربية التي خرجت إلى الشوراع اجبرته على التراجع.

ولكي يؤكد العرب انهم لن يرضخوا لمنطق الهزيمة، أطلقوا عليها نكسة، وبادر الزعماء العرب لعقد قمة في الخرطوم واعلنوا لاءاتهم الثلاث المشهورة، لا للمفاوضات..لا للصلح.. ولا للاعتراف بإسرائيل. ولتأكيد هذه العزيمة مد عبد الناصر يد الدعم للثورة الفلسطينية، وبدأ بالإعداد لحرب تمحو آثار العدوان بالتعاون مع الاتحاد السوفييتي آنذاك.

ولكن الى جانب هذه العزيمة، التي كان عبد الناصر جاد بها، كانت الدول العربية قد وافقت وقبلت بقرار مجلس الأمن 242. هذه الموافقة تعني في واقع الأمر قبولا بوجود إسرائيل كدولة  في المنطقة، وقام في حينه المبعوث الأممي غونار يارينغ بجولات مكوكية من اجل تنفيذ القرار المذكور ولكن إسرائيل المزهوة بانتصارها كانت تريد فرض الصلح على العرب.

عبد الناصر الذي حمل راية المشروع القومي بادر الى حرب استنزاف على جبهة قناة السويس، بمؤازاة حرب استنزاف كانت تقوم بها الثورة الفلسطينية على جبهة نهر الأردن، التي كانت  معركة الكرامة في عام 1968 واحدة من معالمها. كان هناك قرار لدى عبد الناصر، انه حتى لو اضطر للجلوس على طاولة المفاوضات مع إسرائيل، فيجب ان يتم ذلك من مركز قوة وليس من موقف ضعف ورضوخ، لذلك وهو في ذروة حرب الاستنزاف وافق على مشروع وزير الخارجية الأميركية روجرز. وهو مشروع يستند الى القرار 242، الذي يتحدث فقط عن الأراضي  العربية التي احتلتها إسرائيل في حرب 1967، أما تحرير فلسطين فقد أصبح أبعد منالا بالنسبة  للعرب.

لم تكن حرب أكتوبر 1973 حربا تضع مسألة تحرير فلسطين من النهر للبحر في أي من حسابات من قاموا بها، إنما كان الهدف هو الدخول بمفاوضات مع إسرائيل من ميزان قوى مختلف، مفاوضات لتنفيذ انسحاب إسرائيل بموجب القرار 242, لذلك عندما توقفت الحرب توقفت على أساس قرار 338، الذي ينص على تنفيذ القرار 242 وعقد مؤتمر دولي يشرف على بدء المفاوضات العربية الإسرائيلية. وهنا تم الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلا شرعيا للشعب الفلسطيني عربيا ودوليا لتكون على طاولة المفاوضات في المؤتمر الدولي، فالحديث كان يدور في حينه من سيستلم أي جزء من فلسطين يمكن ان تنسحب إسرائيل منه في تلك المفاوضات.

جاء وزير الخارجية الأميركية كيسنجر ووضع شرطه المشهور لا لمنظمة التحرير وبدأ تنفيذ خطته للحلول الفردية وعلى مراحل، وأدخلت المنظمة في وحل الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975. ونذكر ان هذه المرحلة قد انتهت بتوقيع مصر على معاهدة سلام مع اسرائيل عام 1978. وخروج اكبر دولة من دائرة الصراع، الأمر الذي قاد إلى استفراد إسرائيل بمنظمة التحرير في حرب 1982 واجبارها على الخروج من لبنان وإبعادها عن دول الطوق.

بعد توقيع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية طرح الأمير السعودي فهد مبادرته الشهيرة عام 1981، وهي المبادرة التي تستند لمبدأ الأرض مقابل السلام على أساس القرارين 242 و338. وبعد احتلال صدام حسين للكويت عام 1990 وهزيمته في حرب قادتها الولايات المتحدة الأميركية عام 1991 تم عقد مؤتمر مدريد للسلام على ذات المبدأ "الأرض مقابل السلام" انطلاقا من فكرة تنفيذ القرار 242. هذا المبدأ بقي معمولا به حتى في المبادرة العربية، التي أقرها الزعماء العرب بالإجماع في قمة بيروت عام 2002, التي لم يحضرها الرئيس الراحل ياسر عرفات حيث كان يحاصره جيش الاحتلال في رام الله.

هذا المبدأ الذي توافق عليه العرب بأن لا سلام قبل تحرير كامل الأراضي الفلسطينية والعربية  التي احتلتها إسرائيل في حرب حزيران، التي تصادف ذكراها الـ 54 اليوم، الا مع قبول بعض الدول العربية مبدأ التطبيع قبل التحرير وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي.

بعد 54 سنة أصبحت أولوية بعض العرب هي العلاقة مع إسرائيل. ولكن الضوء القادم كان نهاية نفق الهزيمة هو هذا الصمود الفلسطيني على الأرض الفلسطينية، هذا الصمود الذي قلب كل المعادلات وخصوصا عندما نرى جيلا فلسطينيا لا يقل تمسكا بفلسطين من الآباء والأجداد.

 

نقلا عن الحياة الجديدة