نابلس - عاطف أبو سيف - النجاح - من المؤكد أن القضية الفلسطينية باتت تكتسب زخماً شعبياً متصاعداً في العقود الخمسة الأخيرة، ومن المؤكد أيضاً أن هذا الزخم جاء بفعل تسليط الضوء على حقيقة ما يجري من احتلال وحرمان للشعب الفلسطيني من ممارسة حقوقه الأساسية مثل بقية شعوب العالم. إن قوة هذه الملاحظة يجب أن ترتكز على حقيقة أن الدبلوماسية الشعبية باتت جزءاً أساسياً من الضغط على الدول من أجل تبني مواقف أكثر تجاه نصرة القضايا التي تؤمن بها شعوبها. إن ما سمّاه خالد الحسن دبلوماسية المواجهة كلّف منظمة التحرير وفصائلها شهداء وتضحيات جسيمة، لكنه نجح في آخر المطاف في جعل قضية الشعب الفلسطيني قضية كونية. صحيح أن البلاد ضاعت بقرار دولي، وصحيح أيضاً أن العالم رعى الدولة الاستعمارية التي قام بخلقها، وصحيح كذلك أن خلق هذه الدولة كان ترجمة لرغبة استعمارية ذات توجهات دولية، بمعني أن القضية كانت دائماً ذات بعد دولي، لكن وهذا المهم، أنه منذ وعد بلفور حتى سبعينيات القرن الماضي، كان هذا البعد على حساب الفلسطينيين أصحاب الحق. لم يكن ثمة ذكر لهم في هذا الاهتمام. بل كانت ثمة دولة صغيرة ناشئة يتكالب عليها الحرب لتدميرها. هذه كانت الدعاية الرائجة في العالم وكان العالم يصدق ذلك. بل كان اليساريون من أوروبا الغربية يأتون إلى الكيبوتسات المقامة على أنقاض أحلام القرى الفلسطينية المهجرة ليعيشوا النموذج الاشتراكي الفريد، وهو نموذج إقصائي كولنيالي بشكل سافر. وعليه فإن الاختراق الكبير الذي أحدثته منظمة التحرير وقدمت خلاله سفراءها، من نعيم خضر إلى عز الدين القلق ومحمود الهمشري، وعشرات الشهداء الآخرين، لم يكن سهلاً، وكان يتطلب ليس تغير السرديات القائمة بل تقديم سردية موازية، على الأقل من أجل ضمان وجود الرواية الفلسطينية المظلومة. إن مظلومية الشعب الفلسطيني الغائبة تم استحضارها، وبات للمقتول رواية لا تلاحق القاتل في كوابيسه فقط، بل أيضاً في المقهى حيث يشرب القهوة. مرة أخرى، لم يكن هذا سهلاً ولم يتم إنجازه دفعة واحدة. عشرات الشبان والشابات الذين كافحوا في أروقة الجامعات والكافتيريات والمنتديات والمهرجانات من أجل أن يستعيد العالم الاسم المغيّب عن الخارطة: فلسطين.
يبدو هذا الحديث مهماً ونحن نتأمل التعاطف الدولي الكبير على المستوى الشعبي الذي حظيت به قضية محاولة الاحتلال مصادرة بيوت المقدسين في الشيخ جراح، وبعد ذلك تواصل هذا الدعم لضحايا العدوان على قطاع غزة. ثمة حقيقة واضحة وربما جديرة بالنقاش، لا بد لها من تمهيد أول الأمر. بداية لم يكن ثمة تطابق يوماً بين التضامن الشعبي والموقف الرسمي للدول خاصة في أوروبا. أوروبا متحفظة بطبعها وثمة سياقات تاريخية تمنع دولها من الانتصار الكامل للفلسطينيين، وربما تضطرهم إلى التعاطف الكامل مع الاحتلال بسبب تبعات الحرب العالمية الثانية وتحميل الذنب وما شابه. عموماً نجحت الدبلوماسية الفلسطينية مع هذا في خلق انزياح على قدر بالغ من الأهمية في مواقف تلك الدولة. انزياح لم يعد وفقه في أدبيات أوروبا الفلسطينيون مجرد «خسائر جانبية» لصراع العرب مع إسرائيل «المظلومة» ولا هم مجموعة لاجئين يجب البحث عن حل إنساني لأزمتهم وتوطينهم وما شابه. كان ثمة اختراق مذهل في مواقف أوروبا «الرجعية» المعادية» للحقوق الفلسطينية تمثلت أولاً في تغيرات بطيئة في مواقف بعض الدول ومن ثم الانزياح الأهم في أول وثيقة أوروبية تقر بالحقوق الفلسطينية وتقول: إنهم ليسوا مجرد لاجئين بل هم شعب له حقوق سياسية وأقصد وثيقة شومان عام 1971. لم يكن هذا الموقف يعني أن أوروبا باتت مع الفلسطينيين، بل إنها في الطريق لإقرارها بحقهم في دولة. وهذا ما حدث بعد أكثر من ربع قرن في مقررات قمة برلين عام 1999. عموماً طوال تلك الفترة كانت مواقف الشعوب تسير بوتيرة أكثر سرعة وتماسكاً من مواقف الدول. ورغم نجاح هذه الأصوات في الصراخ في برلمانات أوروبا وبعضها في مجالس وزاراتها، إلا أن أوروبا ظلت تنظر للأمر بتوازن ثقيل. ومع هذا فإن المسافة الشاسعة التي كانت بين الموقف الرسمي والموقف الشعبي كانت تتآكل لصالح الاقتراب من الموقف الشعبي، وكان ثمة نزوع أوروبي واضح نحو اعتبار ما يجري في أي تصعيد إسرائيلي على الفلسطينيين اعتداء. لاحظوا على الرغم مثلاً من استمرار الرواية الصهيونية عن «الإرهاب» وتصديق وتبني بعض الأوساط الأوروبية لها، إلا أنه لم تتم المساواة بين إرهاب إسرائيل والكفاح الوطني الفلسطيني.
ربما ثمة تحول ملحوظ في الفترة الأخيرة وتحديداً خلال العدوان الأخير على غزة. ثمة تعاطف شعبي واضح في أوروبا وهذا مهم ويجب البناء عليه، ولكن هناك تراجع في مواقف بعض الدول التي اعتبرت أن ما يجري هو «قتال» في المنطقة ودعت إلى وقف «القتال». وهذا تحول لا يمكن الاستهانة به لأنه سينعكس حتى على ملف إعادة الإعمار وتدخل أوروبا سياسياً ومالياً فيه. الانزياح هذه المرة ذهب باتجاه النكوص عن المواقف التقليدية. لاحظوا خلال عدوان 2014 كانت أوروبا وصحافتها تتحدث عن اعتداء أو عدوان وليس عن قتال. أظن أن هذا سيتطلب جهداً فلسطينياً مكثفاً من أجل تصويبه. ليس المهم ماذا نفعل، إنما المهم كيف نسوق ما نفعله وندافع عنه. والمهم أيضاً كيف نظل جزءاً مما يجري، وتظل قضيتنا قضية تحرر وطني لا أن تعود قضية إنسانية.