نابلس - طلال عوكل - النجاح - لم يتوقف الاهتمام الدولي الرسمي والشعبي إزاء الجولة الأخيرة من الاشتباك الواسع الساخن والهادئ السلمي بين الفلسطينيين وإسرائيل.
مجلس الأمن الدولي أصدر بيان تحصيل حاصل ليؤكد ضرورة الالتزام بوقف إطلاق النار، وذلك بعد أربع جلسات كانت حصيلتها اعتراضاً أميركياً على بيان مجدٍ، سعت إليه بقية الدول الأعضاء في المجلس.
صوت واحد يصدر عن المجتمع الدولي بكل اتجاهاته يرى أن تحقيق تهدئة مستقرة يحتاج إلى حل سياسي يقوم على أساس رؤية الدولتين، يقابله حراك شعبي يعبر عن الغضب من السياسة الإسرائيلية، وتتزايد الاتهامات بأن إسرائيل تمارس سياسة الفصل العنصري.
في هذا المشهد، تظهر التأثيرات الأكثر أهمية حيث تتسع دائرة التعرف المجتمعي حتى في الدول الرأسمالية، على حقيقة هذا الصراع، لا يمكن النظر إلى مثل هذه التحولات المجتمعية من خلال موسميتها، وارتباطها بسخونة الأحداث، أو من خلال الأرقام وأعداد المتضامنين مع الشعب الفلسطيني، فالأهم هو أن ذلك ينطوي على تغيير عميق متدرّج، نحو أن تصبح القضية الفلسطينية جزءاً من اهتمامات الناس، خصوصاً في الدول الداعمة لإسرائيل.
بعيداً عن الخطابات الانتصارية التي تطلقها مدرسة الكذب، التي تشكل سمة أساسية في شخصية بنيامين نتنياهو، فإن ما جرى خلال الأحد عشر يوماً، كان بمثابة زلزال، أظهر مدى هشاشة المجتمع الإسرائيلي المركب، وأعاد فرض القضية الفلسطينية على رأس جدول اهتمامات العالم بما في ذلك دول الإقليم.
ثمة تقدم في ملف مفاوضات فيينا بين إيران والدول الكبرى ما يشكل هزيمة أخرى لإسرائيل، وربما هزيمة كبرى، ولكن هذا الملف على أهميته وخطورته، اختفى خلف القضية الفلسطينية وحيث تتولد قناعات راسخة بأن هذه القضية هي مفتاح الحرب والسلام، في هذه المنطقة.
غير أن هذه الحقيقة، التي تؤكدها التصريحات والحراكات الدولية، من غير المرجح أن تدفع الولايات المتحدة على رأس المجتمع الدولي، نحو توظيف إمكانياتها وعلاقاتها، لإرغام إسرائيل على مغادرة سياستها التوسعية، وممارساتها العنصرية التطهيرية، نحو القبول بتسوية على أساس قرارات الأمم المتحدة ورؤية الدولتين.
 لقد قطعت إسرائيل شوطاً طويلاً في سياساتها الرامية لتقويض حل الدولتين بما في ذلك موضوع القدس، وعودة اللاجئين، بعد أن انشأت مجتمعاً من المستوطنين يتداخل مع المجتمع الفلسطيني، فضلاً عن سعيها الحثيث لتغيير هوية القدس. ليس هذا وحسب، بل إن المؤشرات داخل إسرائيل تشير إلى إمكانية تصاعد الممارسات العنصرية ضد الفلسطينيين أصحاب الأرض.
خطاب الكراهية الذي يصدر ابتداءً من رئيس الوزراء، لا يزال يشعل فتيل حرب أهلية تتحضر لها جماعات وقوى شديدة التطرف، لا تتردد في استخدام العنف ضد الفلسطينيين.
لا ننسى أن هذا الخطاب وهذا السلوك، لم يظهر فقط خلال الأحد عشر يوماً التي مرت، فلقد كانت يافا تتعرض لحملات واشتباكات مع الدولة بأجهزتها المختلفة ومع المستوطنين، الذين أرادوا سرقة الأراضي، والبيوت وملكيات الفلسطينيين.
نتنياهو عاد ليهدد من سماهم، جماعات الشغب، ويتبجح بأن الشرطة اعتقلت أكثر من ثلاثمائة فلسطيني، وأن حكومته ستواصل الضرب بيد من حديد على من يهدد السلم الداخلي، ويقصد الفلسطينيين.
نتنياهو قرر تفعيل قانون الاعتقال الإداري في الداخل، وبالتالي يكون قد قطع الطريق أمام أي طرف فلسطيني، يبدي استعداداً لتسهيل مهمة تشكيل حكومة.
يقول المثل الشعبي: «فالج لا تعالج»، ذلك أن إسرائيل التي تسيطر عليها، بتزايد مستمر، الأحزاب اليمينية المتطرفة الكارهة للجنس العربي عموماً، لا يمكنها أن تقبل بحلول سياسية تمنح الفلسطينيين حقوقاً سياسية لا في الأراضي المحتلة العام 1967، ولا في التي احتلتها إسرائيل العام 1948، وعدا أنها دولة أبارتهايد، بما يتناقض مع خطاب الديمقراطية والمساواة والمواطنة، فإن إسرائيل دولة احتلال، ودولة إرهاب رسمي، وتسعى للتوسع والهيمنة ليس فقط على أرض فلسطين التاريخية وحسب، ما أخذت معه ترتفع الأصوات التي تحذر من تقصير عمر الدولة سواء من داخلها، أو من عديد الشخصيات والجماعات اليهودية في العالم.
في الواقع فإن هذا النظام الدولي الذي ثبت عجزه وفشله في تمكين المؤسسات الأممية من حماية الأمن والاستقرار في هذه المنطقة، التي تشهد اشتعال المزيد من النيران، هذا النظام الدولي الذي تتحكم فيه الولايات المتحدة، محكوم عليه بالعجز والفشل، حتى في حماية استدامة اتفاق وقف إطلاق النار.
صحيح أن وقف إطلاق النار تم دون شروط، وأن مصر تواصل العمل من أجل تثبيته، وتتعاون معها أطراف دولية وعربية وإقليمية، ولكنه صحيح أيضاً أن اسرائيل عادت لممارسة السياسة ذاتها، في القدس والشيخ جراح التي كانت السبب المباشر في اندلاع القتال، ما ينذر بقرب اندلاع موجة أخرى خصوصاً في القدس والضفة الغربية.
سيتضح عما قريب أن طريق البحث عن تسويات للصراع على أساس قرارات الأمم المتحدة مغلق تماماً، وأن الأوضاع تتدحرج نحو توسع دائرة الصراع لتشمل الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني على كل أرضه، وثمة من يقول إن الأحداث تجاوزت منذ زمن هذه الفرضية.
ربما من حظ الفلسطينيين، وجود شخصية مركزية في إسرائيل بمواصفات بنيامين نتنياهو.
كنت ممن ينتظرون معاقبته ورؤيته خلف القضبان ولكني بعد تفكير، بت أتمنى أن يبقى على رأس السياسة الإسرائيلية، فليس أفضل منه، من يجلب الخطر لإسرائيل وصحيح أن معظم السياسيين الفاعلين في دولة الاحتلال، لا يقلون عنه تطرفاً، ولكنه متميز في أنانيته وفي قدرته على الكذب حتى على مؤيديه، ومتميز في تمسكه بعقليته وإيمانه العميق بالمشروع الصهيوني.
نتنياهو جيد لأنه عنصري، فاشي، إرهابي، كاره للعرب، يمكن أن يخاطر بدولته ومجتمعه، من أجل مصالحه ودوره، ومستقبله السياسي، ولأنه بذلك يكون محرضاً جيداً للمجتمع الدولي لعزل ومعاقبة إسرائيل، والتخلي عنها في يوم من الأيام ليس بعيداً.