عبد المجيد سويلم - النجاح - مدهش أننا في كل مرّة نستطيع!
ومدهش أكثر أننا قادرون على اجتراح فعل الإدهاش في «أشدّ لحظات الليل حلكة»!
«كأننا فعلاً مليون مستحيل»...
«لا نُصاب دائماً بالياسمين»، لكننا مصابون بالعودة إليه، أو بسرعة العودة إلى طريقه.
ولأننا بشرٌ كباقي البشر فإننا نتعب نحن أيضاً، ونشعر بإعياء المراحل والزمن، لكننا مصابون أيضاً، بداء «العنقائية» المزمن، ويبدو أننا لن «نشفى» منه عمّا قريب!
مئة عام تحاولون وتحاولون، ويحاولون وتحاولون اقتسامنا وتهشيمنا وتقسيمنا «فإذا بنا لا نقبل القسمة إلاّ على واحد»!
تقولون إننا سندفع الثمن، وإن لديكم منظمات أعدّت خصّيصاً لهذه «المهمة».
حسناً، نحن دفعنا الثمن ألف مرة، وفي كل مرة كنا ندفع الثمن مضاعفاً، فهل أنتم مستعدون لدفع الثمن أيضاً؟
هل وصلتكم رسالتنا الجديدة، أم أنها ما زالت في الطريق؟
هل فهمتم لماذا تنشق الأرض الفلسطينية العتيقة «فجأة»؟
هل فهمتم لماذا نحمل الرايات.. رايات الوطن، عندما يتعلق الأمر بالوطن في يوم الرايات الأصيل؟
هل حاولتم ولو لمرة واحدة أن تدفعوا ثمن حمل الرايات دون حراسة الجيش والشرطة وسلاح المستوطنين؟
هل حصل ولو لمرة واحدة أن جرّبتم ماذا يعني أن يهدم بيتكم؟
تنهبون بيوتنا، وتسرقون أرضنا، ومزارعنا، وتطردوننا من مدننا وقرانا وتدمرون المئات منها، بعد أن تقتلوا ما تيسر لكم من سكانها.. وتقولون إننا سندفع الثمن؟
فأي ثمن سندفع بعد كل هذا الثمن؟
دعونا ولو لمرة واحدة أن نعيد موازنة الثمن إلى دائرة الحسابات الحقيقية وليس المزوّرة.
هل كنتم ستخرجون كما خرجنا نحن من باطن هذه الأرض لو أن الثمن سيكون الموت في ساحات البلاد وشوارعها؟
متى ستتوقفون عن خداع أنفسكم؟
إذا كان للأوطان من ثمن أيها السادة والسيدات فقد دفعناه يُتماً وتشرداً، ودفعناه عرقاً ودماً، وندفعه كل يوم في أزقة مخيماتنا، وفي حارات قرانا ومدننا الأسيرة والمطوّقة، ونواصل دفعه في أقبية السجون وخلف القضبان.
وإذا كان للهوية من ثمن فقد اشتريناها بأغلى الأثمان، أثمان المعاناة والآلام، وحميناها وصنّاها بحدقات العيون ودموعها، وبنينا حولها أسواراً عالية من العزيمة والإرادة، وشيّدنا لها القلاع والحصون العصية عليكم وعلى غيركم بالكثير من البطولة والصمود.
هل فهمتم الآن لماذا تنشقّ أرضنا فجأة لنخرج منها إليكم، وخصوصاً عندما يشتد علينا الألم؟!
يبدو أنكم لم تفهموا بعد!
هذه بلاد كانت لنا، أو هذه البلاد ليست لكم بعد!
نحن كنا هنا، أما أنتم فلم تكونوا، وإذا كنتم ذات يومٍ فقد كنا هناك وقبل أن تكونوا إذا كنتم!
هذه البلاد تعرفنا، أما هذه البلاد فبالكاد تتعرف عليكم!
الزعتر يشتمّ رائحتنا قبل أن نشتمه، والميرمية لا يبدو أنها تريدكم بالقرب منها.
من التلال المطلّة على الساحل الفلسطيني، الذي يشبه «السيف المغروز في خاصرة المتوسط، نحن لا نرى إلاّ قوارب الصيد الصغيرة والفقيرة، ولم نعد نرى السقف والبوارج التي جاءت بكم، ولا نرغب برؤية السفن والبوارج التي ربما ستقل بعضكم إلى خارج البلاد..
نحن لا نخاف على بلادنا منكم.. هذه أخطاء شائعة لديكم، لا تتوهموا ذلك، نحن نخاف على اغترابكم عنها.. هذا كل ما في الأمر.
ساقتكم الأقدار أيها السادة إلى بلاد قاسية وعصية.
قاسية في طباعها على الغاصب وعصية عليهم.
تقول الحكايات الشعبية إن أجدادنا كانوا من المسالمين. يعشقون أرضهم نعم، ويسهرون طويلاً في مواسم الحصاد بمشاعلهم. كانت بلادنا تبدو كغابة من المصابيح، وكانت جدّاتنا يعرفن سمر الغناء وأسرار الصوت والصدى.
ولأنكم لستم من تاريخ هذا المشهد العتيق، ولم تتعرفوا على تفاصيله الحميمة، ولأنكم لقّنتم على يد من أرادوا بكم الشرّ عندما أتوا بكم إلى هنا، بأن هذه البلاد ليس فيها لا حجر ولا شجر ولا بشر، فقد التبس عليكم الأمر، وضاع منكم وتاه من وجدانكم منطق العدل، وتوارت إلى الخلف قيمة الحق والحرية، وتقدمت عليها نوايا الظلم والاستحواذ.
تقول الحكايات إن أجدادنا كانوا من «الجبّارين»، وإنهم كانوا من أشدّ بني البشر شراسة وبأساً في مقاومة الغزاة.
«لم تُصب البلاد بأي سوء»، وبقيت التلال، وبقي المشهد البحري، بقيت «السناسل» كالأسوار والأساور على باطن التلال، مثل خلاخل العروس على قدم الجبال، وبقي النخيل والزيتون والسرّيس شاهداً على زينتها وبهائها، وبقي شعبها عصياً رغم قوتكم المطلقة، ورغم كل ما فاض من هذه القوة.
أعرفتم الآن لماذا نخرج من باطن أرضنا ونحمل راياتها؟
هل فهمتم الآن أنه سيستحيل عليكم هزيمتنا؟
نحن نعرف لماذا لم ننتصر عليكم بعد، ولكنكم لا تعرفون بعد لماذا لم تتمكنوا من هزيمتنا.
الانتصار علينا في منتهى السهولة إذا تعلّق الأمر بالدبابات والجرافات، سهل عليكم قتلنا، ومطاردتنا، واقتلاعنا أحياناً، ولكنكم أيها السادة اخترتم السهل لأنكم لا تملكون خيار الصعب.
نحن لدينا حكاية أخرى، نحن نحبّ بلادنا وتسكننا أكثر مما نسكنها، فيها كنا وما زلنا وعليها تعرفنا على معالم الحياة وأحوالها وأفراحها.
عندما تفهمون علاقتنا بأرضنا، وعندما تدركون أسرار هذه العلاقة، ستبدأ مسيرة انتصاركم على أنفسكم، وحينها فقط ستدركون أنكم أضعتم مئة عام من وهم العزلة ومن عزلة الوهم دون جدوى، وأضعتم علينا فرص الحياة العادية.