نابلس - النجاح - بطبيعة الحال، ثمة فروقات نوعية بين المفهومين، وهناك تخوم ونقاط تماس بينهما أيضاً.
في الحالة الفلسطينية الملموسة فإن هذه الفروق وكذلك التقاطعات غالباً ما تكون ملتبسة، بل وأحياناً مموهة ومتداخلة إلى حدود يصعب من خلالها رؤية الإصلاح إلا كجزء أصيل من إعادة البناء، تماماً كما تتعذر رؤية إعادة البناء دون البدء «الإجباري» بالإصلاح.
بالمفهوم التقليدي لإعادة البناء، هناك عمليتان تتبادلان التأثير.
الأمر لا يتعلق فقط بالرابطة السببية بينهما، أي وجوب أن تكون كل واحدة سبباً للأخرى، بل يتعلق أساساً وقبل كل شيء بوجوب درجة معينة من التوازن بينهما حتى نظل في إطار المفهوم نفسه، وحتى لا نكون قد ذهبنا ـ بوعي أو بغيره ـ إلى خارج نطاق هذا المفهوم، ونكون في هذه الحالة قد خرجنا، أو أخرجنا أنفسنا من دائرته.
إعادة البناء تعني أن ثمة ما يلزم هدمه، وثمة ما يجب بناؤه.
فإذا تم الهدم فلا بد من البناء، وإلاّ نكون أمام عملية معينة لكنها ليست بالمطلق هي عملية إعادة البناء. وبالمقابل، كيف سنعيد البناء أصلا إذا لم يتم هدم ما يلزم هدمه، لكي تتم عملية إعادة البناء.
اقصد أن الإصلاح نفسه ليس إلا عملية لإعادة البناء، وأن إعادة البناء تنطوي على الكثير من اللحظات ذات الطابع الإصلاحي.
وإذا كان الوضع الفلسطيني يحتاج فعلاً ـ وهو يحتاج ـ إلى إعادة بناء النظام السياسي فإن الأمر يحتاج بالضرورة إلى تحديد ما يلزم هدمه!
فما هي تلك المفاصل التي باتت تحتاج إلى الهدم في النظام السياسي الفلسطيني لكي نعوض عنها بمفاصل جديدة لإعادة البناء؟
هل هو مفصل دور ومكانة المنظمة؟ وموقع السلطة من هذا الدور؟
هل هو النظام الرئاسي أو البرلماني أو المختلط؟ هل هو دور المجلس الوطني وعلاقة المجلس التشريعي به، أو هل العلاقة بين المجلسين هي علاقة الكل بالجزء، أم أن هذه العلاقة ليست تكوينية، بقدر ما هي تكاملية؟
وكيف ستستقيم هذه العلاقة لخدمة ديمقراطية النظام السياسي، وكذلك فعالية ومرونة هذا النظام، دون البت النهائي والى غير رجعة بالعلاقة بين السلطة والمنظمة.
هل هو نظام «الكوتا» مثلاً؟
هل غياب قانون أحزاب عصري أمر ممكن بوجود الطابع الفصائلي للحالة الوطنية أم أن الطابع الفصائلي هو ما «يُحتّم» نظام «الكوتا» من جهة، كما يحتّم إرجاء أو تأجيل أو حتى استبعاد القانون العصري للانتخابات؟
هذه مجرد أمثلة فقط على أهمية أن يكون مفهوم إعادة النظام السياسي الفلسطيني مفهوماً ملموساً وبعيداً عن التعميمات والشعاراتية التي لن تقدم شيئاً جوهرياً واحداً. ليس مهما أن يكون التصدي لهذه العناوين وتقديم رؤى ومعالجات ملموسة لها هو إصلاح أم إعادة بناء، وليس مهما إن إذا كان المفهوم «الفلسفي» السائد للإصلاح ينطوي على عمليات غير جذرية للتغيير، وذلك لأن الأمر يتعلق بجوهر هذا التغيير بالذات وليس بدلالة السائد.
المهم أن في النظام السياسي ثمة ما يجب تغييره، وما يجب إصلاحه لأن عطلاً ما موجود في هذا النظام، ويعيق فعاليته وديمقراطيته ومرونته وتطوره، وثمة ما يجب إعادة بنائه فعلاً.
المفترض أن يُنظر إلى كل ذلك كعملية متتالية المراحل، وكتتابع منطقي، وتسلسل زمني وليس كمحطة إجرائية. أقصد أن انتخابات المجلس التشريعي هي مرحلة، وانتخابات الرئاسة مرحلة أخرى وانتخابات المجلس الوطني مرحلة ثالثة. والأمر لن يستقر قبل الانتهاء منها كلها، ولن يستمر الوضع في السير قدماً نحو هذا الهدف دون أن نمرّ بكل مرحلة ونقدم المعالجات المتماسكة المطلوبة، فما قيمة المعالجات التي يمكن أن نقدم عليها في مرحلة الانتخابات التشريعية إذا لم نتمكن لاحقاً من تحديد صلاحيات الرئيس ـ على سبيل المثال ـ في مجال «حقه» في حل المجلس التشريعي من عدمه؟
هل إقالة الحكومة هو حق مطلق أم مقيد؟
متى يتدخل الرئيس إذا فشل المجلس التشريعي في إعطاء الثقة للحكومة لعدة مرات متتالية؟
وهل الفشل هنا هو انتقال مباشر لانتخابات جديدة؟
وهل نعود للتوافق على إجرائها أم نحدد بصورة دستورية هذا الأمر ولا نعود لدكتاتورية التوافق..؟!
نفس هذه الأسئلة مطروحة بشدة على تركيبة المجلس الوطني وتمثيل القوى، والصلاحيات والعلاقة بالرئيس، والمجلس التشريعي وصلاحيات هيئات المنظمة وغيرها وغيرها الكثير الكثير من الأسئلة.
الحالة الوطنية باتت تحتاج وبصورة ملحّة اكثر من أي وقت مضى إلى إصلاح وترميم وتمكين وإعادة تأهيل وبناء، والانتخابات التشريعية مفصل مهم وأساسي في هذا المسار كجزء ومكون رئيسي من عملية وطنية شاملة على هذا الطريق.
من حق القوى والفصائل والمنظمات والقوائم أن تتنافس للحصول على أعلى نسبة من التمثيل في المجلس التشريعي، ولكن من واجبها قبل هذا الحق ـ أو هكذا أفترض ـ أن تقدم للناخب الفلسطيني والناخبة الفلسطينية رؤيتها وإسهامها في هذا المسار الوطني الحيوي والمصيري.
الناخبون يحتاجون إلى حلول لمشكلات النظام السياسي، وإلى حلول ملموسة لمقومات عيشهم الكريم، ولقدرتهم على الصمود في معركة البقاء على الأرض والدفاع عنها، وفي معركة المواجهة مع الاحتلال ومنظوماته المتشعبة استيطاناً ومصادرةً وتهويداً وهدماً وتجويعاً وحصاراً وقمعاً.. إلى آخر القائمة.
الذين لا يرون هذه القائمة، ولا يرون غير قائمة الانتخابات الخاصة بهم، والذين لا يملكون الرؤى والحلول، ولكنهم يملكون المناصب والامتيازات والمال والجاه ويرون في هذه الانتخابات وسيلتهم للحفاظ والدفاع عنها لا يستحقون صوت الناخبين الفلسطينيين، في مرحلة مصيرية كالتي نمر بها.