عبد المجيد سويلم - النجاح - جوابي عن هذا السؤال بنعم.
وإليكم الأسباب:
في الواقع الكفاحي للشعب الفلسطيني لعب اليسار دوراً مهماً في تسليح الشعب الفلسطيني بالبرامج الوطنية التي ساهمت بصورة مؤثرة في رفع مكانة منظمة التحرير الفلسطينية شرعيةً وتمثيلاً، وفي توطيد علاقاتها على الصعيد الدولي والإقليمي رسمياً وشعبياً على حدٍّ سواء.
وفي هذا الإطار بالذات لا يمكن إنكار دور الشيوعيين الفلسطينيين في «عقلنة» النهج السياسي الفلسطيني بشكل عام، ولا إنكار دور الجبهة الديمقراطية في الدفع قدماً بالواقعية الثورية التي انطوى عليها البرنامج المرحلي، كما لا يمكن إنكار دور الجبهة الشعبية في تحصين الموقف الوطني واليساري من «الانزلاقات» التي يمكن أن تؤدي بتبني البرامج المرحلية إلى التسوية المتساوقة مع المشاريع المعادية.
وذلك لأن رفضوية «الشعبية» وواقعية «الديمقراطية»، وعقلانية الحزب، إنما كانت، وهي ما زالت وستظل من منطلقات وطنية ولأهداف وطنية.
وقد شكل اليسار الفلسطيني في هذا الإطار جوهراً ومضموناً الحالة النوعية الرئيسة للتعددية والديمقراطية الوطنية من خلال التحالف مع الحركة الأساس للوطنية الفلسطينية وهي حركة «فتح»، والذي أدى إلى بناء الصرح الوطني الذي مثلته ـ وما زالت تمثله ـ منظمة التحرير الفلسطينية.
هذا الإسهام لليسار الفلسطيني يعود إلى إرثٍ كفاحي وطني يعود لعشرينيات القرن الماضي كما يعود إلى خمسينيات وستينيات ذلك القرن.
فقد لعب الشيوعيون الفلسطينيون دوراً كفاحياً رائداً في مواجهة المشروع الصهيوني وأدواته تحت مسميات مختلفة، من الحزب الشيوعي إلى عصبة التحرر الوطني ثم الحزب الشيوعي الإسرائيلي فالأردني إلى الحزب الشيوعي الفلسطيني وصولاً إلى حزب الشعب.
أما الجبهتان الشعبية والديمقراطية فهما امتداد تاريخي لحركة وطنية أصيلة وكفاحية هي حركة القوميين العرب.
ترافق هذا الإسهام في بلورة هوية الشعب الفلسطيني وشخصيته المستقلة بالمحتوى الكفاحي التحرري مع الإسهام المباشر والفعال بكل أشكال النضال على امتداد هبّات وانتفاضات الشعب الفلسطيني وثوراته بما فيها الثورات الشعبية والمسلحة منذ ما يقارب مسيرة قرن كامل من الكفاح الوطني المتواصل.
أقصد أن اليسار الفلسطيني هو يسار وطني عميق الانتماء والدور، وأصيل من كافة زوايا الوعي والثقافة الوطنية، ولكنه مع الأسف الشديد لم يقدم على الخطوة التاريخية الأهم التي كانت ستغير جوهرياً في دوره ومكانته وهي وحدة هذا اليسار، وتوحيد جهوده وأدواته في كامل المسار الوطني الحديث.
لقد افترض كل فصيل من هذه الفصائل أنه المالك الأوحد للحقيقة، وأنه وحده من يمثل اليسار الفلسطيني، وبالتالي فإن غياب استراتيجيات وحدة اليسار، أو فشل بعض تجاربها قد ألحق الضرر بمسار ومكانة ودور هذا اليسار.
وكاتب هذه السطور أعدّ في نهاية ثمانينيات القرن الماضي دراسة (داخلية) حاول من خلالها إثبات عقم الادعاءات بالتمثيل «الأوحد» لليسار، وضحالة أفق التفكير «العصبوي» لحالة «التميز» الخاص، حين اختلط على كل فصائل اليسار الأمر كله بعدم التفريق بين النكهة والطعم، أو بين اختلافات سياسية ليست برنامجية على الإطلاق، كما أن جذورها الأيديولوجية والفكرية ليست سوى خلافات يمكنها أن تتعايش في إطار صيغة واحدة وموحّدة.
ما زالت هذه العقلية من «القبلية» الفكرية والسياسية هي السائدة في صفوف هذا اليسار، وما زال نمط التعبئة الداخلية (هذا إذا بقي شيء اسمه تعبئة داخلية) يجهد نفسه لإثبات ما لا يلزم إثباته.
أقصد أن اليسار الفلسطيني هو حالة وطنية أصيلة وليس حالة هجينة أو هامشية، أو ظاهرة ثقافية محضة.
ولو أجرينا إحصاءً منصفاً وعادلاً لأعداد الشيوعيين واليساريين في المسار الوطني العام لعرفنا كم أخطأ اليسار في عدم تقدير قيمته ودوره ومكانته، وكم أخطأ بحق نفسه.
فقد أطلب من القارئ أن يتذكر آلاف الشيوعيين الفلسطينيين الذين توزعوا بين الحزب الشيوعي الفلسطيني والإسرائيلي والأردني وعشرات آلاف القوميين العرب الذين تحولوا إلى الانخراط المباشر وغير المباشر في صفوف «الشعبية» و»الديمقراطية»، وبحيث تحول اليسار إلى تيار وطني كبير كان منافساً قوياً في إطار التحالف الوطني الكبير.
فقد اليسار الفلسطيني وهجه الوطني عندما غيّب هويته الفكرية، وتنازل عن معاركه المطلبية والديمقراطية الاجتماعية النابعة من انحيازه المفترض للطبقات الفقيرة في المجتمع الفلسطيني، وعندما غلب الاعتبارات «السياسية» على كل الاعتبارات ما ساهم في تحوله موضوعياً إلى حالة مستقطَبة بدلاً من أن يكون اليسار الحالة المستقطِبة.
غادر آلاف الكوادر المجرّبة صفوف اليسار، وتم استقطابهم داخل منظمات غير حكومية شكل جزء كبير منها أشكالاً معينة من «مصائد المغفلين» التي أعدت خصيصاً لإفراغ اليسار من رصيده البشري المميز، والذي لفت انتباه القوى المعادية وذلك بالنظر إلى ما كان يمثله هذا الكادر من طاقة كفاحية تنذر بأشد الأخطار على مخططاتهم.
آلاف الكوادر التي غادرت صفوف اليسار والتي لها تجربة كفاحية مميزة يمكن أن تعاود الوقوف مع اليسار في معاركه إذا ما وحّد صفوفه، وتحول إلى قوة وازنة وقادرة على التأثير الحقيقي في المسار الوطني.
المعركة الانتخابية محطة مناسبة لاستعادة اليسار ولو جزئياً لدوره المستقل وإعادة الاعتبار لهويته الخاصة.
وليس مهماً أبداً أن يحصل اليسار على نسبة كبيرة من الأصوات في هذه المعركة بالذات، لأن المهم هو وحدته ووحدة أدواته الكفاحية، واستعادة مواقعه في الساحة الوطنية، وحينها سيتمكن اليسار من أن يكون قوة لا يمكن لأحد تجاوزها أبداً.
المهم أن يعي اليسار طريقه لأن لديه فرصة قد تكون الأخيرة للعودة إلى صلب الدور والمكانة.

 

عن جريدة الأيام