نابلس - عبد الناصر النجار - النجاح - في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي كان الشيوعيون العرب يقدسون الاتحاد السوفيتي باعتباره رمزاً للتحرر والاشتراكية، وكانوا يخوضون النقاشات الصاخبة دفاعاً عن الدور السوفييتي، دون التطرق إلى مفهوم المصالح، بمعنى أن مصلحة الدول هي في مقدمة سياستها الخارجية، بل إن كثيراً من الشعوب العربية كانت تعتقد أن الاتحاد السوفييتي سيحارب إسرائيل بدلاً عنها، حتى جاءت الصحوة متأخرة لتأكيد الفرق الشاسع بين النظرية والتطبيق، وليتبين أن موسكو كانت تؤسس لسيطرة متوازنة مع الغرب على الشرق الأوسط، وأن ما تقدمه من سلاح لدول المواجهة في حينه لم يكن سوى سلاح دفاعي أكثر منه هجومياً ومن الدرجة الرابعة أو الخامسة.
لعل الخلاف المصري ـ السوفيتي في سبعينيات القرن الماضي كان أحد أسباب نوعية الأسلحة وتأخير الطلبات العربية وغير ذلك من الأسباب.
على الرغم من ذلك كنا نعتبر الاتحاد السوفييتي حليفاً في ظل حرب باردة مع الولايات المتحدة والغرب، ولعدم وجود بديل له، وظل «الشيوعيون العرب» متمسكين بالاتحاد السوفييتي حتى بعد انهياره أكثر من السوفييت أنفسهم؟!
روسيا المنبعثة من رماد الاتحاد السوفييتي، استدارت إلى قوميتها واقتربت أكثر نحو الغرب بعد الانهيار السوفييتي.. وظلت الأوضاع كما هي حتى انتخاب بوتين رئيساً، الذي عمل على المزاوجة بين روسيا الحديثة واستحضار الدور العالمي للاتحاد السوفييتي السابق.. أي الحنين إلى التوسع الخارجي مع الإبقاء على نقاء القومية الروسية قدر الإمكان.
موقف الدب الروسي بعد عودته بقوة إلى سورية كان واضحاً «لا مواجهة مع إسرائيل بل حوار واتفاق»، وهذا ما حصل فعلاً.. خاصة من خلال التعاون الأمني والاستراتيجي الروسي ـ الإسرائيلي.
بعد التدخل الروسي في الحرب الأهلية السورية وقلب كفة الميزان لصالح النظام، وانهيار التنظيمات الإرهابية - وكأن الأمر مخطط له؛ لتدمير هذه الدولة وتفكيكها - أصبح بوتين الحاكم الرسمي لدمشق، وبموافقة ضمنية إسرائيلية.
ربما جاءت صفقة صواريخ الدفاع الجوي الروسية مع سورية لتؤكد قوة العلاقة الأمنية بين موسكو وتل أبيب بعدما تبين أن هذه الصواريخ لن تكون موجهة إلى الجانب الإسرائيلي.. حتى صواريخ أس 400 المتقدمة التي نصبت في قاعدة حيميم السورية، التي تشغل بطواقم روسية، لم تكن لتهدد أي دور إسرائيلي حتى بعد إسقاط الطائرة العسكرية الروسية في أيلول 2018.
وللتأكيد على ذلك، فإن الضربات الجوية الإسرائيلية المتتالية ضد أهداف سورية وإيرانية تتم بمعرفة مسبقة من الجانب الروسي الذي لا يتدخل، لأن من مصلحة بوتين إضعاف إيران وإبقاء النظام السوري تابعاً ضعيفاً.
لا تزال حادثة تفقد بوتين القوات الروسية في قاعة حيميم نهاية العام 2017 ماثلة عندما منع الرئيس الأسد من مرافقة بوتين بإشارة من ضابط روسي كان بجانب بشار.
الدور الروسي بدأ يأخذ أبعاداً غير مسبوقة لصالح تل أبيب، أولها مساعدة موسكو إسرائيل على استعادة رفات الجندي الإسرائيلي زخاريا باومل الذي قتل في الاجتياح الإسرائيلي للبنان في العام 1982 حيث قدم الرفات كهدية روسية لنتنياهو في نيسان 2019.
روسيا أعادت رفات الجندي، والنظام السوري لا يملك حتى حق الحديث عن هذا الدور الغريب.. علماً أن هناك مئات الجنود السوريين والعرب المفقودين لدى الجانب الإسرائيلي. وهناك مئات الشهداء الفلسطينيين في مقابر الأرقام.
لم تتوقف روسيا عن تقديم خدماتها إلى إسرائيل وأطلقت عمليات بحث مكثفة عن رفات الجاسوس الإسرائيلي إيلي كوهين، والنظام السوري مصاب بالصمم، حتى عندما تقوم فرق روسية بالبحث في المقابر ومنها مقبرة مخيم اليرموك للبحث عن رفات كوهين الذي تمكنت روسيا من الوصول إلى مقتنيات شخصية له وتسليمها إلى إسرائيل، فإن الحاكم الروسي لدمشق يتصرف بمعزل عن وجود الدولة السورية!
النقلة الجديدة في لعبة الشطرنج الروسية في سورية كانت ما أعلنت عنه قبل أيام عن صفقة تبادل أسرى بين إسرائيل وسورية والأصح بين إسرائيل وروسيا.
نتنياهو المنتصر حاول كعادته الإيحاء بأن حدثاً مهما قد يحصل خلال الساعات المقبلة، وخلال اجتماع حكومته الأسبوع الماضي طلب من كل عضو كتابة موقفه من صفقة التبادل، التي أكد سريتها كالعادة، وطلب من أفراد الحكومة عدم تسريب أي معلومة للصحافة لتقوم الصحافة الإسرائيلية في اليوم التالي بنشر التفاصيل كاملة؟! وهي السماح لفتاة سورية مفروض عليها إقامة منزلية في الجولان وليست أسيرة بالتوجه إلى سورية.. والثاني لمعتقل سوري من بلدة الغجر الذي رفض الصفقة الروسية بنقله إلى سورية وأصر على العودة إلى قريته التي ما زالت تسيطر عليها القوات الإسرائيلية، ففشلت مساعي إطلاق سراحه، ولا يزال في الأسر.
كان تتويج العلاقة الروسية ـ الإسرائيلية بإعادة شابة إسرائيلية دخلت الأراضي السورية وتم اعتقالها مقابل اثنين من الرعاة احتجزتهم القوات الإسرائيلية قرب الحدود قبل أسبوعين.
صفقة التبادل المخزية كانت لإعادة راعيين وأطلق عليها تبادل أسرى ... أي تبادل هذا، وأي دور لنظام لم تعد له كلمة، في ظل حاكم روسي مسيطر على كل مفاصل الدولة، ويقيم علاقة استراتيجية أمنية متينة مع إسرائيل.. وكأننا أمام تطبيع من نوع آخر؟!