أكرم عطا الله - النجاح - حتى العشرية الأولى من هذا القرن كانت وسائل الاتصال الجماهيري وهو المصطلح الذي يطلق على وسائل الإعلام التقليدية وهي الإذاعة والصحف والتليفزيون تسيطر على الفضاء العام، وإن كانت قد بدأت بتهيئة نفسها لإفساح الطريق لشكل جديد من أشكال الاتصال وهو «التواصل الاجتماعي» أو السوشيال ميديا الذي يعتبر الأحدث في عالم البث والإعلام والتواصل مصحوباً بقوة تكنولوجية هائلة لم تتصورها أفلام الخيال العلمي التي درجت عليها السينما الأميركية.
كان البحث سابقاً عن تأثير الوسائل التقليدية على المجتمع وتماسكه وأنماط السلوك الاجتماعي إذ كان لتلك الوسائل دور في التأثير على تواصل الأفراد الاجتماعي، بل ساهمت بنوع من العزلة الاجتماعية وصلت للأسرة نفسها التي كانت تتحلق مساء أمام شاشات التليفزيون تشاهد مسلسلاً أو فيلماً يشترط من أجل متابعته حالة من الصمت والعزلة النفسية ويصبح كل فرد معزولاً عن محيطه ومركزاً ذهنياً مع التليفزيون، أي أن الرسالة المحمولة في وعاء الدراما أو غيره من محتويات البث من أجل أن تصل تتطلب نوعاً من العزلة الاجتماعية وبالتالي النفسية وهذا إلى حد ما اعتبر السبب الأبرز للتأثير باعتبار أن وسائل الإعلام كانت تستفرد بالفرد وتخاطبه كحالة واحدة معزولة، وبهذا أمكن إيصال الرسائل والتي أدركها السياسيون لإيصال ما يريدون سواء بشكل مباشر عن طريق الخطابات أو بشكل غير مباشر عن طريق الدراما التي تحمل قدراً أكبر من العاطفة والتي أثبتت التجربة أنها أكثر قدرة على التأثير.
الآن دخلت وسائل التواصل الاجتماعي كمصدر أول للمعلومة. إذ تشير الدراسات في هذا الصدد أن حوالى 84% من البشر يتلقون معلوماتهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي تعددت برامجها وهي في متناول الفرد أينما ذهب في العمل وفي المواصلات وفي السوق والمقاهي، وبعد أن كانت وسائل الإعلام التقليدية كالتليفزيون والصحيفة تستفرد بالفرد وقتاً معيناً ومؤقتا أن يكون في البيت مثلاً أمام التليفزيون أو يقرأ الصحيفة ويلقيها بعد ذلك متواصلاً مع غيره، فإن الوسائل الحديثة أصبحت لصيقة به حتى في لقائه مع أصدقائه في المقهى وأصبح من المألوف أن يتجمع الأصدقاء في سهرة ما أو في مقهى ولكن تجد كلاً منهم في عالمه الخاص يتابع جهازه المحمول بلا تواصل اجتماعي حقيقي.
وإذا كانت تلك العجوز التي تحسرت عندما دخل التليفزيون واقتحم أسرتها متذكرة تلك الليالي التي كانت تجلس فيها مع عائلتها أمام الموقد تتحدث إليها عن قصص العائلة وأساطير البطولات للأجداد، فإننا اليوم نتحسر على تلك الأيام التي كنا نتجمع فيها لحضور فيلم أمام التليفزيون على الأقل كان ذلك لوقت محدد ويسمح لنا بالحديث بعد الانتهاء من الأحداث فيه، أي يسمح بنوع من التواصل وتكون القطيعة لمدة زمنية محددة ومحدودة ولكن حينها كان المجتمع يعيش حياته الاجتماعية الطبيعية.
ولكن بعد دخول وسائل التواصل الحديثة أصبحت العزلة أكبر، حيث تحاصرنا تلك الوسائل على مدار اليوم لتفرض عزلة غير مسبوقة وبالتالي يزيد تأثيرها بشكل أكبر كثيراً قياساً بالوسائل القديمة. فتلك تتطلب مزيداً من العزل النفسي والاجتماعي ومع هذا السيل الهائل من البث يصبح كل فرد في عالمه يتلقى معلومات ومعارف مختلفة عن غيره وليس كما السابق من خلال تليفزيون واحد.
وإذا كانت الوسائل القديمة تحدث نوعاً من التنميط بفضل العزلة المؤقتة فإن السوشيال ميديا قد أحدثت تأثيراً ينتهي بالتفتيت، تفتيت وحدة الرأي ووحدة المجتمعات التي يصبح فيها الفرد حالة منعزلة تماماً يستقبل معلومات مختلفة يصبح الأمر كما بصمة الأصبع، ولأن الإنسان هو حصيلة معارفه يصبح كل فرد مختلفاً عن الآخر ومن الصعب إيجاد قواسم أو توافق بين الأفراد.
الغريب في الأمر أن تأثير السوشيال ميديا أكثر لدى مجتمعات العالم الثالث منه لدى المجتمعات التي اخترعت هذه التكنولوجيا. ففي الغرب يقتصر دور السوشيال ميديا على التواصل الاجتماعي والاتصال بين الأفراد عن بعد ربما لتعويض برودة تلك المجتمعات إنسانياً، وتلك المجتمعات مازالت تنظر للوسائل التقليدية كالتليفزيون والمقال كمصادر للمعلومة إذ يؤثر خبر تليفزيون أو عامود صحافي أكثر من وسائل التواصل لكن المجتمعات العربية مثلاً أصبحت السوشيال ميديا هي كل حياتهم اليومية تبدأ منذ أن يفتح الإنسان عينيه وتنتهي حتى الدقيقة الأخيرة قبل النوم.
واحدة من تجليات وسائل التواصل وإحدى دلائلها على تفتت المجتمعات حتى سياسياً فلسطين مثلاً التي لم يتوقف أبناؤها عن البحث في أزمة المشروع الوطني الذي يختنق بفعل انعدام خبرة أبنائه وإدارته بشكل لا يتناسب مع حجم الأخطار التي تهدده، وهو ما يشغل النخب الفلسطينية   التي تفكر بمخرج فقد ظهر أحد أشكال التفكير بإنشاء مجموعات على الواتس أب إذ تضم كل مجموعة ما يقارب المائتين وخمسين مشتركاً يتشاورون ويتبادلون الأفكار ويتناقشون بكل شيء، يتفقون أحياناً ويختلفون أحياناً أخرى، ولكن كل فرد في تلك المجموعة يمضي ساعات طويلة من يومه في إطار هذه المجموعة المغلقة التي تحولت إلي ما يشبه الغيتو الافتراضي وأحياناً يمكن لفرد أن يشترك في أكثر من مجموعة لأن مصمميها لا يستأذنون عندما يضيفون فرداً جديداً وإذا كانت تلك المصادفة بأن يكون فرد ما في أكثر من مجموعة يمكن له أن يشاهد حقيقة حجم التفتت الاجتماعي السياسي بشكل أكبر حيث إن كل 250 فرداً صنعوا لأنفسهم ما يشبه التنظيم الافتراضي.
فإذا كنا سابقاً أمام عدة أحزاب تعد على أصابع اليدين وهي كجماعات سياسية نصبح من خلال السوشيال ميديا أمام مئات وربما آلاف من التكتلات السياسية وكل مجموعة لها عالمها الخاص ونقاشها الخاص وخلاصاتها ونتائجها وانطباعاتها ورؤيتها الخاصة المنفصلة إلى حد كبير عن الجماعات السياسية الأخرى.
والأهم من ذلك أن مجموعات السوشيال ميديا الافتراضية لعبت مع الزمن دوراً في تطويع الأفراد بمعنى أنها شكلت حالة تفريغ نفسي لمشاركيها والحصول على نوع من الرضا عن الذات بهذا الشكل من الدور الاجتماعي أو السياسي والاكتفاء بهذا الفعل، والتواصل مع مجموعة محددة تكتشف هذه الهوة أو العزلة والانفصال مع أول اتصال مع الواقع أو مع أول مجموعة أخرى. وخلاصة القول إذا كانت الوسائل التقليدية أحدثت نوعاً من التنميط الاجتماعي والسياسي فإن الوسائل الحديثة أحدثت قدراً من التنميط والتفتيت معا...!
 

 

عن جريدة الأيام