نابلس - عريب الرنتاوي - النجاح - سيتعين على إدارة جو بايدن، وهي تشرع في اختبار مقارباتها الجديدة لأهم ملفين من ملفات سياستها الشرق أوسطية، أن تتريث بعض الشيء ... ربما حتى «المنقلب الثاني» من العام المقبل (2021) ... لا لنقص في جاهزيتها أو معرفتها بهذين الملفين، فلديها «المعرفة» و»الفريق» الملم بهذه الملفات، بل لأن التطورات الداخلية في كل من إيران وإسرائيل، ستملي عليها «موضوعياً» فعل ذلك.
إيران على موعد مع انتخابات رئاسية حساسة، في أواسط حزيران المقبل، وسط توقعات بأن التيار الثوري – المحافظ، يتحضّر للإمساك بمقاليد السلطة التنفيذية، بعد أن نجح في بسط هيمنته على السلطتين التشريعية (انتخابات 2020) والقضائية ... ومن يتتبع «بازار» الترشيحات الرئاسية الذي بدأ مبكراً، يلحظ أن خيارات الناخب الإيراني، ستراوح بين حدي «المحافظة» و»الثورية».
ثمة من يعتقد، أن الفرصة الممتدة من أواخر كانون الثاني (موعد تولي بايدن السلطة) وحزيران (موعد الانتخابات)، كفيلة باستحداث تغير كبير في توازنات القوى الداخلية، وتعزيز مكانة التيار الإصلاحي، الذي ألحقت به إدارة ترامب وسياسة «الضغوط القصوى» أفدح الخسائر والإعاقات ... لكن العارفين بتوجهات إدارة بايدن الجديدة، يعرفون تمام المعرفة، أن لا عودة أميركية تلقائية للاتفاق النووي، وأن الإدارة الجديدة، تنتوي فتح هذا الاتفاق لمزيد من التفاوض بغرض تعديله، وربما إدماج ملفين آخرين في إطاره أو إلى جانبه: البرنامج الصاروخي والدور الإقليمي لطهران.
قد تقدم إدارة ترامب على رفع جزئي للعقوبات المفروضة على طهران، من باب إبداء «حسن النيّة» أو ربما تشجيعها على العودة لالتزاماتها بموجب الاتفاق، وعلى أمل أن تكون بذلك، قد ساعدت الإصلاحيين على تعزيز مكانتهم الداخلية، لكن الرفع المتدرج للعقوبات، وغالباً في السياق الإنساني (محاربة كورونا واحتواء تداعياتها)، لن يكون كافياً من وجهة نظر المراقبين، على إحداث فارق ملموس يستشعره الناخب الإيراني، وينعكس في صناديق الاقتراع.
ولا ندري بوجود رئاسة إيرانية «محافظة»، ومجلس شورى أكثر «ثورية»، كيف يمكن للمفاوضات اللاحقة بين إيران والمجتمع الدولي (اقرأ الغرب) أن تنتهي؟، كما لا ندري إذا ما كان تطوراً كهذا، سيساعد إدارة بايدن على ترجمة وعودها الانتخابية بانتهاج مقاربة مختلفة لهذا الملف، بعيداً عن «السمة الثأرية – الانتقامية» التي ميزَت أداء إدارة سلفه، وإلى أي حدود.
على المقلب الآخر، يبدو أن إسرائيل بدورها، مقبلة على انتخابات مبكرة رابعة للكنيست في غضون عامين اثنين، في سابقة لم تعرفها من قبل، وسط توقعات لمراكز أبحاث ومؤسسات قياس الرأي العام، تؤكد أن المنافسة المقبلة، ستكون بين «اليمين واليمين الأكثر تطرفاً» ... الاستطلاعات تتنبأ بانقراض «اليسار الصهيوني»، وخروجه من تحت قبة الكنيست، لاسيما حزب العمل، وبدرجة أقل حركة ميرتس، وخسارة القائمة العربية لثلاثة من مقاعدها بعد انشقاقاتها الأخيرة، وتضاؤل تمثيل ما سمي تيار الوسط «أزرق - أبيض»، وتصاعد غير مسبوق لكتلة «يمينا» بزعامة نفتالي بينيت، فيما ستحافظ بقية الأحزاب الدينية و»إسرائيل بيتنا»، على حصتها من مقاعد الكنيست.
لا يجب بحال، استبعاد سيناريو عودة نتنياهو على رأس حكومة سادسة، كما لا يمكن النظر باستخفاف إلى طموحات اليميني المتطرف نفتالي بينيت بتولي السلطة خلفاً له، فالحركة التي لم تحظ سوى بحفنة من المقاعد في الكنيست الحالي، يعطيها استطلاع الرأي ما بين 23 – 24 مقعداً في الكنيست القادم، أي بما يزيد على أربعة أضعاف حجمها الحالي، لكأنها تظهر في أعين جمهور الناخبين الإسرائيليين من معسكر اليمين، بوصفها ورثياً محتملاً ومؤهلاً لخلافة نتنياهو والليكود.
طبيعة الائتلاف القادم، وتشكيلة الحكومة التي ستنبثق عنه، ومستقبل نتنياهو الشخصي، جميعها عوامل سيكون لها أثر في تقرير مسارات التفاوض وفرص استنقاذ «حل الدولتين»، وهي رهانات عكستها الوعود الانتخابية لبايدن وفريق حملته الانتخابية والمرشحين لإدارة هذا الملف من طاقمه، والأهم أنها موضع رهانات كبيرة في رام الله ومعها معظم عواصم المنطقة، التي انتظرت بفارغ الصبر «فرصة بايدن»، ورأت إليها كـ»آخر الفرص» للوصول إلى تسوية تفاوضية بين الفلسطينيين والإسرائيليين على قاعدة «حل الدولتين».
الانتخابات، ومفاوضات تشكيل ائتلاف حكومي، عملية معقدة وطويلة الأجل في إسرائيل، كما أظهرت تجارب سابقة، في ظل «تشتت» الحياة الحزبية الإسرائيلية، وغياب ظاهرة «العمود الفقري» التي كانت سبباً في استقرار الحكومات الإسرائيلية في العقود الأولى لتأسيس الدولة العبرية ... ما يعني أنه سيتعين على الفلسطينيين وبقية اللاعبين الإقليميين والدوليين، الانتظار حتى المنقلب الثاني من العام، لكي يتصاعد الدخان الأبيض من «مدخنة» الكنيست ومفاوضات تشكيل الائتلاف، والأرجح أننا سنشهد المزيد من الانزياح نحو اليمين، بنتيجة الانتخابات، استمراراً لظاهرة تعمقت في المجتمع الإسرائيلي خلال ربع القرن الأخير: غلبة أحزاب اليمين الديني والقومي، وتنامي نفوذ «لوبي الاستيطان» الأكثر تطرفاً على الخارطة السياسية والحزبية الإسرائيلية ومؤسسات صنع القرار السياسي والأمني.
لتكون الخلاصة: أن الحكمة تقتضي «خفض» سقف التوقعات، ولجم «موجة التفاؤل» التي اجتاحت بعض عواصم المنطقة، بقرب وضع حد لأزماتها الملتهبة وملفاتها المفتوحة، وبالذات على المسارين الإيراني والفلسطيني.