نابلس - أشرف العجرمي - النجاح - تنفس الفلسطينيون وجهات دولية عديدة الصعداء بهزيمة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الانتخابات التي جرت مطلع الشهر الماضي، ولكن ترامب لا يريد أن يتنازل بسهولة عن الحكم والأسوأ أنه ماضٍ في تطبيق سياساته العدوانية تجاه دول وشعوب كثيرة، وهو بهذا يريد أن يصعب الأمور على خلفه الرئيس جو بايدن عندما يستلم السلطة، بل ويريد فرض وقائع على الأرض يصبح من الصعب تجاوز آثارها. ويمكن القول أن ما يتركه على الجبهة الفلسطينية هو أخطر من كل شيء آخر فعله بسبب تثبيت حقائق لا يستطيع الرئيس بايدن التراجع عنها مثل الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إليها، ثم تطبيق الشق الإقليمي من خطته المسماة «صفقة القرن» ودفع عجلة التطبيع العربي الإسرائيلي بأقصى سرعتها. وهذه أمور لا يمكن العودة بها إلى الوراء حتى لو كان بايدن يتحفظ عليها أو يرفض خطة ترامب.
للوهلة الأولى بدا التطبيع الذي قامت به بعض الدول العربية مع إسرائيل وكأنه نابع فقط من ضغط أميركي وتطبيقاً لمشروع ترامب للمنطقة، ولكن مع تسارع وتيرته والهرولة التعيسة وغير المسبوقة لتطبيع علاقات الدول العربية مع إسرائيل بشكل رخيص ولا يستند لا إلى ندية ولا إلى أي نوع من الكرامة الوطنية والقومية، لدرجة أنه لم يعد يهم بعض الأنظمة العربية الحفاظ على أي جزء من ماء الوجه في التعاطي مع الاحتلال والإضرار بشكل خطير بالحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني كما أقرتها الجامعة العربية والأمم المتحدة، بحيث فاق ما يفعله المطبعون العرب ما أرادته الولايات المتحدة وما حلمت به إسرائيل في أي وقت.
قد يتفهم البعض أن تكون هناك ضغوط شديدة على بعض الدول وأنها اضطرت تحت الحاجة حتى لو كانت وهمية لحماية نفسها والحفاظ على ما تعتقد أنه مصالحها للذهاب إلى علاقة مع إسرائيل تحت عنوان «مواجهة التهديد الإيراني»، وربما اعتقد آخرون أنه يجب اعطاء هذه الدول فرصة للاستفادة من علاقاتها مع إسرائيل لدفع عجلة التسوية، خاصة في ظل الشعارات والمواقف التي طرحتها والتي أكدت فيها أنها متمسكة بمبادرة السلام العربية وبالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وحقه في دولة مستقلة على الأراضي المحتلة منذ عام 1967، بل إن دولة الإمارات ادعت أنها أوقفت الضم الإسرائيلي لأجزاء من الضفة الغربية تقوم عليها المستوطنات اليهودية. ولكن الحقيقة التي كذبت تلك الادعاءات وصفعت حياء مطلقيها تمثلت في الاتفاقات التي حصلت مع إسرائيل والتي شملت المستوطنات. فقد وقعت شركة الاستيراد الإماراتية «فام» عقداً مع مجلس مستوطنات شمال الضفة الغربية المسماة «شومرون» على تصدير بضائع المستوطنات من نبيذ وعسل وزيت وطحينة وغيرها إلى الإمارات، وكان وفد مجلس المستوطنات هذا استقبل في الامارات بكل حفاوة وترحيب. فكيف تتفق هذه الخطيئة والجريمة مع الادعاء بوقف الضم، ثم ألا يعتبر ذلك اعترافاً واضحاً بشرعية المستوطنات.
والمؤسف كذلك ما صدر عن وزير الصناعة والتجارة والسياحة البحريني، زايد بن راشد الزياني، الخميس 3/12/2020، لصحافيين إسرائيليين أن بلاده لن تمنع بضائع المستوطنات الإسرائيلية المقامة على الأراضي الفلسطينية المحتلة، من دخول بلاده، وستعاملها على أنها منتجات إسرائيلية» وقال: «إن بلاده تعتزم الاعتراف بمنتجات المستوطنات على أنها «منتجات إسرائيلية، ولن تمنع دخولها». وهذه كارثة وانحطاط غير مسبوق ليس فقط في السياسة العربية تجاه إسرائيل، بل وفي خرق مبادئ القانون الدولي. وهذه مخالفة واضحة للقرارات والمواقف الدولية وكل سند قانوني يجرم الاستيطان الإسرائيلي ويعتبره غير شرعي وآخرها قرار مجلس الأمن 2334 الذي يضع خطاً فاصلاً وقاطعاً بين إسرائيل والأراضي المحتلة عام 1967. والذي يؤكد على كل القرارات السابقة لمجلس الأمن، وعلى «عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة». وعلى «أن جميع الأنشطة الاستيطانية الإسرائيلية في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، غير قانونية بموجب القانون الدولي وتشكل عقبة رئيسية أمام تحقيق السلام على أساس حل الدولتين».
هكذا يصبح العرب المطبعون بشرعنتهم للمستوطنات شركاء للاحتلال في جريمة خرق القانون الدولي وتشجيع الاستيطان والعدوان على الشعب الفلسطيني، ولن تنفعهم أي تصريحات كاذبة لتزيين أو تبرير مواقفهم. بل يحق للفلسطينيين مقاضاتهم كم تتم مقاضاة الشركات التي تعمل في المستوطنات.
والغريب كذلك أن رجل أعمال إماراتياً هو حمد بن خليفة آل نهيان اشترى 50% من نادي «بيتار» القدس الإسرائيلي المعروف بعنصريته وجمهوره المتطرف تجاه الفلسطينيين والعرب عموماً، وربما لا يعلم هذا المالك الجديد أن الشعار المحبب لجمهور النادي هو «الموت للعرب» يطلقونه في المباريات ويرفعون لافتات تحمله، وأن المنظمة الإرهابية المسماة «لافاميليا» التي تنكل أيضاً بالمعارضين اليساريين اليهود هي من مشجعي النادي المذكور، فكيف سيكون شعور الشيخ حمد عندما يسمع الشتائم ضد العرب في مباريات فريقه؟
ليت الدول العربية التي تهرول نحو إسرائيل بهذا الشكل المهين تتخذ موقفاً يشبه الموقف الأوروبي ومواقف دول كثيرة في العالم ترفض التعامل مع المستوطنات، وهؤلاء ليسوا عرباً ولكنهم ينحازون للحق وللقانون والمواثيق الدولية. وربما كان على القيادة الفلسطينية التريث قبل إعادة السفراء إلى الإمارات والبحرين لرؤية مدى التزام هذه الدول بالحد الأدنى من القرارات العربية والقرارات الدولية.

نقلاً عن جريدة الأيام