نابلس - عبد المجيد سويلم - النجاح - حتى أُفصح عن المقصود بهذه الانقلابات الزلزالية يبدو أنني بحاجة إلى استعراض سريع لبعض مفاصل وكوامن المشروع الصهيوني من حيث الأهداف والآليات ومكامن القوة والضعف.

لم ينشأ ويتطور المشروع الصهيوني ويصل إلى مرحلة «النضج» والتبلور ثم التحول إلى مشروع تطبيقي إلا في سياق تحول الرأسمالية الغربية إلى مرحلة الإمبريالية، بعد أن كان قد عاش وترعرع في كنف ورحم تطور المسألة القومية في أوروبا، وبعد أن استثمرت البرجوازية اليهودية في المرحلتين ـ التحولات القومية والتحولات الإمبريالية ـ في هذا المشروع تلبيةً لطموحاتها الخاصة ومصالحها المتشعبة وأطماعها المميزة.

في المرحلة الأولى كان للغرب الرأسمالي مصلحة بالتخلص من «اليهود»، وبناء كيان لهم بعيداً عن جغرافيا الغرب، وفي المرحلة الثانية كان للغرب مصلحة مباشرة بزرع كيان خاص في منطقة مصنّفة كمنطقة «خطر» على الغرب من ناحية، وكمنطقة مصالح ونفوذ حيوية من ناحية أخرى.. إذاً الغرب حاضر بقوة في الحالتين.

ولذلك ليس صدفة أبداً أن يفكر الغرب نفسه عن الحركة الصهيونية قبل أن تفكر الحركة الصهيونية بتصدر المشهد وحمله على كاهلها. ولذلك، أيضاً، فقد أكد مؤرّخون يعتد بهم أن نابليون كان من أوائل من فكر بهذا الأمر، ومن عمل على تأكيد أهميته.

وكذلك ليس صدفةً أبداً أن وزير المستعمرات البريطاني كان من المبادرين في مراسلاته مع القصور الملكية البريطانية في خمسينات القرن التاسع عشر لبلورة مشروع من هذا القبيل. أخيراً وليس آخراً ليس صدفة ابداً ان بريطانيا العظمى رعت المشروع واميركا تابعت مساره وتعهدت بحمايته وتفوقه ثم بتبني كل عدوانيته وتوسعيّته وغطرسته.

يستحيل طبعاً أن نتصور ان كل هذا المسار من النشأة والتطور والتحول قد جرى من أجل احتلال فلسطين فقط، ذلك أن الأمر يتجاوز فلسطين جغرافياً وسياسيا واقتصاديا حتى وإن كانت فلسطين هي الهدف المباشر ونقطة الارتكاز الرئيسة لهذا المشروع الضخم. فهل يُعقل أن يتمكن الشعب الفلسطيني الصغير الذي خرج كما هو حال معظم العرب ضعيفاً وهشّاً مع نهاية الحرب العالمية الأولى، وهزيمة تركيا، واقتسام تركتها ووقوعه عن وعي وسابق تخطيط تحت الانتداب البريطاني.. أن يتمكن هذا الشعب من هزيمة المشروع الصهيوني على أرضه التي هي تحت سيطرة بريطانيا والتي كانت تمهد كل السبل والوسائل لإقامة المشروع الصهيوني على هذه الأرض حسب وعد بلفور نفسه؟

هل يُعقل أن يتمكن الشعب الفلسطيني في ذلك الوقت والمحاط بواقع عربي تابع وهشّ وتحت احتلالات عسكرية مباشرة من الغرب نفسه؟ من مجابهة مشروع بهذه الضخامة؟!

المشروع الصهيوني كما نشأ وتطور وتحول هو مشروع أكبر من الشعب الفلسطيني، وقد حاول هذا الشعب في ظروف ومعادلات مختلة التوازن بما لا يقاس مواجهة المشروع بكل ما كان يملك من قدرات وأدوات، وبكل ما كان ممكناً في تلك المراحل الموحشة...!

لم يقف المشروع الصهيوني عند حدود احتلال 78% من فلسطين، فقد تم إلحاق الشعب الفلسطيني وفرض الوصايات عليه، وتمت مصادرة ومحاصرة هويته الوطنية، ولكنه بقي يقاوم وانطلقت ثورته المعاصرة عشية حرب حزيران واحتلال إسرائيل لبقية الأرض الفلسطينية ولأرض عربية كبيرة في سيناء وأرض استراتيجية خاصة في هضبة الجولان.

حاول الشعب الفلسطيني بكل قوته من جديد، وكانت معركة الكرامة والانطلاقة الجديدة للثورة، واستثمر في الواقع العربي وبدأ بالاستثمار في الواقع الدولي مع البلدان الاشتراكية وعدم الانحياز، وانتزع الاعتراف بالمنظمة إقليمياً ودولياً، وأعاد بناء الهوية الوطنية، وبنى قوة عسكرية كبيرة في لبنان وأُجبر على مغادرتها بعد حروب استمرت لسنوات طويلة.

انهار الاتحاد السوفياتي وانهار العراق، وأُخرجت مصر من الصراع وبدأ العرب مسار التفاهم مع أميركا في «مدريد» حول مفهوم السلام وشرطه.

جاء «أوسلو» في محاولة فلسطينية لإنقاذ المنظمة، والعودة إلى الداخل بأي ثمن ونقل مركز الصراع إليه، وسواءً اتفق الناس أم اختلفوا على حجم الضرر الذي لحق بنا من «أوسلو»، فإن الفشل والإفشال قد جاء كاستجابة مباشرة لطبيعة المشروع الصهيوني وأهدافه، ولطبيعة التحالف بين إسرائيل والولايات المتحدة وكواقع مكرّس في ظل حالة عجز عربية شاملة.

جاءت فوق كل هذا الخلل في الموازين، وفوق كل هذه الوقائع من حالة الفشل والعجز العربي ثلاثة انقلابات زلزالية لتضيف على مشروع التحرر الوطني الفلسطيني أحمالاً وأثقالاً كبيرة.

الانقلاب الأول، هو انقلاب حركة «حماس» على الشرعية الوطنية، وتحويل القطاع إلى رهينة سياسية لأجندات ليست فلسطينية، والانجرار وراء مخطط إخراج أكثر من مليوني فلسطيني خارج اطار المعركة الديمغرافية، والعمل على بعثرة وتشتيت وحدة وشرعية التمثيل السياسي، إضافةً إلى إحداث تصدعات عميقة في النسيج الاجتماعي إضافةً إلى كل التخريب المنظم للنسيج الوطني.

الانقلاب الثاني، هو مجيء ترامب إلى سدة الحكم في الولايات المتحدة والمباشرة بمشروع تكريس الاحتلال، وشرعنة الاستيطان ومحاربة الشعب الفلسطيني في كل مكان، وفي كل مجال، بل والعمل المباشر على حصاره وتجويعه ومطاردة كل من يؤيد حقوقه في معركة شاملة لم تقم بها أي دولة في العالم دفاعاً ونصرةً لدولة أخرى خارج اطار كل قانون دولي، أو شرعية، بل وخارج اطار المواقف الأميركية نفسها. وقد جاء هذا الانقلاب ليكرس التحوّلات السياسية والاجتماعية التي كانت قد تكرست في إسرائيل من خلال اليمين المتطرف.

الانقلاب الثالث، كان في بدء انهيار النظام العربي فيما يتعلق بقرارات القمة ومؤسسات العمل العربي، وخصوصاً جامعة الدول العربية.

 النظام العربي يتداعى أمامنا فيما يتعلق بحقوق الشعب الفلسطيني وأهدافه الوطنية، ولم تعد الجامعة العربية قادرة حتى على إدانة الخروج السافر عن قراراتها، وأصبحت مهمتها الرئيسة الآن البحث في علوم اللغة العربية عن الديباجات والألفاظ والمصطلحات التي «تؤكد» على حقوق الفلسطينيين دون أن تملك شجاعة الإفصاح عمن بات يتجاوز هذه الحقوق من العرب أنفسهم.

باختصار انهار النظام العربي الذي كنّا نراهن عليه، في ظل هذا الفهم لضخامة المشروع الصهيوني وتعدد قواه وتحالفاته، وفي ظل الانهيار العربي، وقانون الغاب السياسي الأميركي. لا مكان لمزاودات على قدرات الشعب الفلسطيني، وعلينا أن ندرك جيداً وبعمق أن الصمود والبقاء هما معركة وجودنا ومستقبلنا كله، وهذه هي المقاومة الحقيقية الوحيدة.