منصور أبو كريم - النجاح - يسود التوتر الحذر الجبهة الشمالية لإسرائيل منذ أسبوع تقريبًا عقب قيام الأخيرة بقصف مطار المنزه في سورية وتفجير طائرة مسيرة في مكتب إعلامي لحزب الله في الضاحية الجنوبية لبيروت، وهي المعقل الرئيسي للحزب منذ سنوات، القصف الإسرائيلي جاء كما تقول دولة الاحتلال لمنع هجوم بالطائرات المسيرة كان ينوي الحرس الثوري وحزب الله القيام به على منشآت حيوية في إسرائيل ردًا على تكرار القصف الإسرائيلي للوجود الإيراني في كل من العراق وسورية.

على ضوء ذلك  توعد زعيم حزب الله السيد (حسن نصر الله) برد قاسي على الهجوم الإسرائيلي يهدف لمنع تكرار السلوك الإسرائيلي في المستقبل، وترمم ميزان الردع المتأكل في العلاقة بين حزب الله وإسرائيل لصالح الأخيرة خلال سنوات الأزمة السورية، التي امتنع فيها الحزب عن الرد بصورة قوية على إسرائيل منعًا لاندلاع مواجهة عسكرية بين الطرفين في ظل انشغال الحزب بالحرب الأهلية في سورية لمنع سقوط نظام الرئيس بشار الأسد، باعتبار بقائه في السلطة مصلحة عليا للحزب ولإيران في المنطقة، خاصة أن سورية هي بمثابة العمق الاستراتيجي لكل منهما بالإضافة إلى أن سورية طريق عبور السلاح من إيران لحزب الله، ما يعني سقوط نظام بشار الأسد خطرًا استراتيجيًا على مستقبل الحزب والتمدد الإيراني في المنطقة.

لكن التحولات الاستراتيجية التي نتجت عن تولي الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب مقاليد السلطة في البيت الأبيض، وتأييده المطلق لإسرائيل سلماً وحرباً، انعكست على قدرة حزب الله في الرد على التجاوزات الإسرائيلية فكان آخر تصعيد كبير ورد قوي من حزب الله على إسرائيل كان في العام 2016 عندما قصفت إسرائيل سيارة بها قياديين من الحزب والحرس الثوري في مدينة القنيطرة السورية. رد الحزب وقتها باستهداف دورية عسكرية في مزارع شبعا، وقتل اثنين من الجنود، كان ذلك في زمن إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما التي كانت توصف (بالبطة العرجاء) كإشارة على مدى ترددها في الانغماس في قضايا المنطقة، كون هذه الإدارة كانت تتبنى استراتيجية "القيادة من الخلف".

في زمن ترامب ومواقفه المتصلبة تجاه إيران وحزب الله امتنع الحزب بصورة كلية عن الدخول في مواجهة عسكرية مع الاحتلال الإسرائيلي رغم تكرار القصف الإسرائيلي على سورية واستهدافه الحزب والوجود الإيراني فيها. كون ترامب وفريق إدارته يتخذ من إيران وحلفائها في المنطقة مواقف عدائية، فقد فرضت إدارة ترامب العديد من العقوبات المالية والاقتصادية على حزب الله وإيران، بهدف تجفيف منابع المال، وممارسة ضغوط سياسية واقتصادية تهدف لتعديل سلوك إيران الإقليمي والدولي.

حسابات حزب الله الداخلية

عقب القصف الاسرائيلي الأخير على بيروت وسورية هدد أمين عام حزب الله بالرد على العملية وتوعد إسرائيل برد قوي وقاسي؛ لكن حتى الآن لم يحصل هذا الرد، يعود إلى الحسابات الداخلية في لبنان، وتصاعد حدة الخلافات الداخلية، وخشية الحزب من ردة الفعل الإسرائيلية القوية التي قد تؤدي لفتح مواجهة عسكرية جديدة بين حزب الله وإسرائيل الأمر الذي قد ينعكس على الوجود العسكري لحزب الله في جنوب لبنان، وقد يؤدي لصدور قرار جديد من مجلس الأمن ضد الوجود العسكري لحزب الله في جنوب لبنان كما حصل مع القرار الأممي رقم (1559)، الذي أقر نشر قوات دولية في جنوب لبنان، وطلب من الحكومة اللبنانية نشر قوات الجيش اللبناني في الجنوب، وهو لم يكن قائماً قبل حرب تموز 2006.

في ضوء هذه التهديدات وفي ضوء الحسابات الداخلية الدقيقة يقف الحزب أمام معضلتين، الأولى: ضرورة الرد بالشكل والطريقة التي توجع إسرائيل ونتنياهو تحديدًا، وتحفظ للحزب ماء الوجه في ظل تكرار عمليات القصف الإسرائيلي، والثانية عدم إعطاء اسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية المبرر للقيام بعمل عسكري ضد إيران وحزب الله في لبنان في العام الأخير من ولاية ترامب، خاصة في ظل تصاعد حدة الأزمة الداخلية في لبنان. خاصة أن الوضع الداخلي في لبنان سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي لا يحتمل اندلاع مواجهة عسكرية جديدة مع إسرائيل، ما يوفر للأخيرة تدمير البنية التحتية كما حصل خلال حرب تموز 2006م، لذا فإن تأخر رد الحزب؛ له علاقة بهذه الحسابات الدقيقة في معادلة تزداد صعوبة يوم بعد يوم على كافة المستويات المحلية والإقليمية والدولية.

نتنياهو وحسابات الانتخابات الإسرائيلية

كما لحزب الله حساباته الداخلية التي تشكل تحدي أمام رغبة الحزب في توجيه ضربة موجعة لإسرائيل على خلفية الهجوم الأخير، هناك أيضًا حسابات داخلية لنتنياهو قبيل الانتخابات الإسرائيلية التي أصبحت على الأبواب، خاصة في ظل تصاعد حدة الحملات الانتخابات ودخول يهود باراك على خط الحلبة السياسية، ونتائج استطلاعات الرأي التي أصبحت تؤكد تقدم حزب (أزرق أبيض) بفارق قليل على حزب الليكود بزعامة نتنياهو عقب ما فشل في تشكيل حكومة ائتلافية بعد الانتخابات الأخيرة بسبب رفض ليبرمان الانضمام لها إلا بشروط تعجيزية منها إقرار قانون تجنيد الحراديم، والتعامل بقوة أكبر مع الفصائل الفلسطينية في غزة.

حسابات نتنياهو الداخلية لا تقل تعقيدًا عن حسابات حزب الله الداخلية، فهو يدرك أن أي مواجهة عسكرية سواء في جبهة غزة المشتعلة منذ سنوات أو على الجبهة الشمالية لا تستطيع إسرائيل فيهما حسم المعركة وتحقيق نتائج عسكرية وسياسية قوية قد ينعكس ذلك بصورة قوية على نتائج الانتخابات حتى لو تم تأجيلها لحين انتهاء المعارك. فاندلاع مواجهة عسكرية سواء في جبهة غزة والجبهة الشمالية قبيل الانتخابات الإسرائيلية التي لم يتبقى عليها سوى أيام يعني سقوط نتنياهو في الصراع على رئاسية الحكومة القادمة في ظل اشتداد المنافسة وبروز قيادات تاريخية تشكل ثقل سياسي مقابل نتنياهو الذي تحول لأسطورة سياسية في معلب بات خالياً من الزعامات التاريخية خلال الفترة الماضية.

لذلك دفعت إسرائيل بعدد كبير من قواتها العسكرية تجاه الجبهة الشمالية بهدف استعراض القوة وتحقيق أمرين، الأول إرهاب حزب الله وإجباره على عدم الرد بصورة قوية على العملية الأخيرة، عبر استعراض للقوة الإسرائيلية وإرسال رسائل سياسية وعسكرية لكل الأطراف الدولية والإقليمية أن الرد سوف يكون قوي على أي عمل عسكري من قبل حزب الله، والثاني الاستعداد الجيد لاندلاع المواجهة العسكرية في حالة قام الحزب بالرد على عملية بيروت كما هدد زعيم الحزب.

خلاصة القول مازالت الحسابات الداخلية الدقيقة سواء لحزب الله أو لرئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تتحكم في سلوك كل الاطراف، رغم الرد المحدود الذي قام به حزب الله على الحدود مع إسرائيل، والذي لم يوقع أي إصابات حسب بيان الجيش الإسرائيلي، كون أن الطرفين يعيشون أزمة داخلية كبيرة تمنعهم من ارتكاب حماقات غير محسوبة العواقب، ما يجعل فرص اندلاع مواجهة عسكرية بين الطرفين تقل بشكل كبير مع مرور الوقت.