النجاح - صحيح بان الأصوات قد تعالت ،والحناجر قد صدحت ايضا رفضا لصفقة القرن ،وصحيح بان الفلسطينيين قد اتفقوا إعلاميا ،وربما هي المرة الاولى على ضرورة اسقاط هذه الصفقة ، حيث اجمعت القيادة الفلسطينية وكافة فصائل وقوى العمل الوطني على قرار مواجهة الصفقة ،والامتناع عن حضور مؤتمر البحرين ،بل والمطالبة ايضا بمحاكمة من يخرج عن هذا الاجماع بتهمة الخيانة العظمى ، الا ان تساؤلات كثيرة قد اثيرت قبيل انعقاد مؤتمر البحرين ،ولكن التساؤل الاكثر الحاحا ،والذي ما زال مطروحا ،هو اذا ما كان يمكن للفلسطينيين الثبات فعلا على ما طرحوه من لاءات وشعارات ضد صفقة القرن ومخرجات مؤتمر البحرين، وخاصة في ظل توافق الافكار ما بين حركة حماس وما يدعو اليه كوشنير من حيث تحسين حياة الفلسطينيين ،والاتجاه بهم نحو الازدهار الاقتصادي، مع تأجيل البحث في موضوع دولتهم شكلا ومضمونا؟.

لم يأتي هذا التساؤل في حينه اعتباطا ، بل هو من باب القناعة انه لا يمكن مواجهة صفقة القرن ومخرجات مؤتمر البحرين على قاعدة الاجماع الوطني دون وفاق واتفاق على استراتيجية وطنية في ظل ما يعانيه الشعب الفلسطيني من انقسام سياسي، وفي ظل انقسام الشعب أيضا ما بين مؤيد لقيادة تاريخية امن بها وارتضى ان تكون قيادة له لتحقيق اماله وتطلعاته وصولا الى الدولة الفلسطينية المستقلة وفقا لقرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية ،وما بين قيادة فرضت  وما زالت تفرض نفسها عليه عنوة دون برنامج واضح لها ،فهي في حالة من التخبط والتصادم ما بين المشروع الإسلامي والمشروع الوطني ،وما بين الانتماء لقضية الشعب الفلسطيني والانتماء لأحزاب وحركات ذات امتدادات خارجية ، ولذلك كان من الطبيعي ان تجد حركة حماس نفسها امام مشروع  الازدهار الاقتصادي الذي يلبي طموحاتها واحتياجاتها في ظل استمرار سيطرتها على غزة مقابل هدنة  تحاول إسرائيل من خلالها  مدتها الطويلة اقناع الفلسطينيين بجدوى التعايش والتطبيع معها اقتصاديا دون ادنى حقوق سياسية ، فهل لدى حركة حماس اي فرق اذا بين الاموال القطرية التي كانت وما زالت تدخل اليها عبر اسرائيل، والاموال العربية التي ستدخل اليها عبر كوشنير؟.

باعتقادي ان لا فرق لدى حركة حماس، ولذلك ستدخل الاموال حتما الى غزة بذرائع شتى وتحت عناوين كثيرة، وستنطلق المشاريع فيها، وسيمضي كوشنير بطريق تنفيذ خطته واثقا من نجاحه، فخطته هي نفس ما تسعى اليه حركة حماس "انتعاش اقتصادي، معابر مفتوحة مع دول الجوار، هدنة طويلة الامد دون بحث للملف السياسي "، وبذلك سيحاول كوشنير ضرب منظمة التحرير والسلطة بعصا حركة حماس، كما كان شارون قد ضرب السلطة بنفس العصا ابان الانتفاضة عام 2000، ولكن هل سينجح كوشنير بذلك كما نجح شارون؟.

على حركة حماس ان تدرك ،وقبل فوات الاوان، ان فلسطين هي دولة الفلسطينيين ،وليست مشروعا لاحد ،ولن يكون للشعب الفلسطيني امتدادا لأي مشروع خارج حدود دولته ، ففلسطين بالنسبة اليه ليست وطنا فقط ،وانما هي هوية وانتماء، ولذلك كانت حركة فتح قد نجحت في اطلاق رصاصتها الاولى ،فكانت الثورة التي حولت اللاجئ الى مقاتل رغم المؤامرات الخارجية ، كما على الشعب الفلسطيني بكافة فئاته وشرائحه الاجتماعية والسياسية ان يعلم ايضا بان المؤامرة الداخلية هي اشد فظاعة من المؤامرات الخارجية ،حيث ساهم انقلاب حركة حماس في اعادة المقاتل الى لاجئ يتوسل على اعتاب مراكز التموين ،كما ضاعت الهوية وتاه الانتماء ،فكان الفشل ،ليس في تحرير الوطن فقط ،وانما في عدم الدفاع عن عقل الانسان وقوته من الاستعباد الذي راهن  كوشنير وغرينبلات وكاتس على النجاح بتكريسه في ظل مشروعهما الاقتصادي المشترك ،فالاستعباد لم يعد في القرن الواحد والعشرين بالسوط والخدمة دون مقابل ،وانما قد يكون في بدلة وسيارة دون حرية او هوية ،وهو نفس ما تدعو اليه حركة حماس في ظل ما يسمى بمسيرات العودة وكسر الحصار .