عبد الغني سلامة - النجاح - تحتل نيجيريا المرتبة العاشرة عالميا في احتياطات النفط، والمرتبة الثامنة عالميا في احتياطات الغاز الطبيعي، وتمتلك أيضا موارد معدنية نفيسة كالذهب والألمنيوم والمطاط، علاوة على أن ثلث مساحتها الإجمالية (923 ألف كلم2) صالحة للزراعة، إلى جانب ثروتها الأهم «القوة البشرية»، إذ يبلغ تعداد سكانها نحو 175 مليون نسمة، ما يجعلها سوقاً استهلاكية خصبة للاستثمار، وقوة إنتاجية كبيرة. 
ومع كل هذه الثروات والموارد، فإن نيجيريا تغرق في الفقر والظلام؛ حيث صنفتها الأمم المتحدة في العام 2015، في المرتبة 152 في سلم التنمية البشرية، ما يعني أن كل تلك الثروات لم تمنع أن تجعل هذا البلد الإفريقي من بين أكثر الدول تخلفا، من حيث الخدمات الصحية، ومستوى التعليم، ودخل الفرد، والمساواة، والأمن، وهي المعايير التي تعتمدها الأمم المتحدة في التصنيف. ما يؤكد أن خيرات نيجيريا الهائلة يتم نهبها بطريقة مؤسسية ممنهجة لصالح طبقة من الفاسدين، في حين يعيش ملايين النيجيريين تحت وطأة الفقر والمجاعة؛ إذا يقبع 62% من السكان تحت خط الفقر.
وإلى جانب الفقر تعاني نيجيريا من عنف الجماعات المسلحة، خاصة جماعة «بوكو حرام» المتحالفة مع «داعش»، التي تسيطر على أجزاء من البلاد، إضافة إلى المواجهات الدموية العرقية بين القبائل المختلفة (فيها 250 مجموعة عرقية، يتحدثون أكثر من 100 لغة)، والنزاعات المسلحة بين المسلمين والمسيحيين، التي خلّفت آلاف القتلى. وفي العام 2017 احتلت نيجيريا المرتبة الثالثة على قائمة أكثر الدول تأثراً بالإرهاب (بعد العراق وأفغانستان)، وفقاً لمؤشر الإرهاب العالمي GTI الصادر عن معهد الاقتصاد والسلام. وحسب تقرير منظمة الشفافية الدولية (صدر في أيار 2018) فإن نيجيريا تخصص نحو 1.2 مليار دولار سنويّاً للأغراض الأمنية ومكافحة الإرهاب، يتسرب منها نحو 670 مليون دولار إلى صناديق أمنية سِرِّية، يلفها الغموض الكامل، أي أنّ هذه الأموال لا تُصرف على مكافحة الإرهاب؛ بل يتم توظيفها لصالح إطالة أمد العنف والإرهاب، الذي أصبح بمثابة البقرة الحلوب التي تُدِرُّ المساعدات الدولية. 
إذن، المشكلة الأهم (والتي هي أساس كل المشاكل) هي الفساد. وبحسب تصنيف منظمة الشفافية الدولية (ترانسبرانسي) تأتي نيجيريا في المركز 136 بين 180 دولة على مؤشر الفساد. فوفقاً لمنظمة النزاهة المالية العالمية، شهدت نيجيريا تحويلات مالية مشبوهة إلى الخارج تقدر بنحو 178 مليار دولار خلال الفترة من 2004 إلى 2013، كما كشف وزير الإعلام النيجيري، أن 55 شخصا، من بينهم وزراء سابقون اختلسوا ما يعادل 6.8 مليار دولار خلال سبع سنوات (2006~2013)، وأن اللوبيات الفاسدة في قطاع النفط حرمت ميزانية الدولة عشرين مليار دولار، في السنوات الثلاث الماضية فقط.
ومنذ تولي الرئيس «محمد البخاري» الحكم (2015)، شنت الحكومة النيجيرية حملة شرسة ضد الفساد، حيث أقالت وحاكمت عشرات المسؤولين بمؤسسات الدولة، بينهم مستشار سابق للأمن القومي، ووزير الدفاع السابق، بالإضافة إلى العديد من الوزراء، وحكام الولايات، والقادة العسكريين؛ بسبب تورطهم في قضايا فساد، كالاختلاسات وصفقات السلاح الوهمية. 
وكانت حملة الرئيس الانتخابية ترتكز على موضوع مكافحة الفساد؛ فمنذ اليوم الأول أفصح الرئيس ونائبه عن كامل «الذمة المالية» لهما، وهو ما جعل بعض وسائل الإعلام تصفه بـ»أفقر رئيس أفريقي»، ثم طبّق نظاما ماليا جديدا، يهدف إلى توحيد مئات الحسابات المالية الحكومية في حساب واحد، بإشراف البنك المركزي، ثم أطلقت الحكومة «النظام الموحد للمعلومات الشخصية والمالية للموظفين»، لربط الرواتب بالبيانات الشخصية بحساب بنكي واحد للموظف، الأمر الذي كشف عن 24 ألف وظيفة وهمية. كما شكل لجنة من أكاديميين لمراجعة عمل مؤسسات مكافحة الفساد، كان من توصياتها جمع الجهات الرقابية تحت مظلة تنسيقية واحدة، ثم سـنَّ قانون لحماية الشهود والمبلغين عن قضايا الفساد، وأقال قادة الجيش كلهم بسبب فشلهم في الحرب ضد جماعة «بوكو حرام»، ولأن شركة النفط الوطنية كانت أهم منابع الفساد؛ قام الرئيس بحل مجلس إدارة الشركة بالكامل، وعيّن مديرا ومجلسا جديدا.
إذن، بلد غني جدا بثرواته وموارده، والشعب يعيش تحت خط الفقر، فهل السبب يمكن في الفساد فقط؟ أم في السياسات الاقتصادية؟ فحملة الرئيس على الفساد، ورغم جديتها؛ إلا أنها لم تنجح بنقل البلاد إلى المستوى المأمول، والذي يتناسب على الأقل مع قوة اقتصادها.. ومع ذلك، يتوقع خبراء اقتصاديون أن تدخل نيجيريا نادي أكبر 20 قوة اقتصادية في العالم بحلول العام 2030، إذا ما استمرت الحملة على الفساد.
قبل أيام توجه ملايين النيجيريين إلى صناديق الاقتراع لانتخاب رئيس وبرلمان جديدين، نافس على الرئاسة أكثر من 70 مرشحا، أبرزهم محمد بخاري، وهو الأوفر حظاً، ومرشح المعارضة أتيكو أبو بكر، الذي قال: «إن شركة النفط الوطنية النيجيرية وسائر مؤسسات الدولة عبارة عن صناديق رشى غير رسمية للحكومات المتعاقبة»، في إشارة منه إلى أن الفساد ما زال مستشريا في أجهزة الدولة ومؤسساتها.
على أي حال، حتى لو أتت نتائج الحملة على الفساد أقل من المتوقع، إلا أن هذا مؤشر مهم على جدية التحولات في أكثر من بلد إفريقي، فهنالك رواندا، التي بعد أن اجتازت محنتها، ها هي تضع أقدامها على سكة التنمية والتطور، محققة واحدة من أعلى نسب النمو الاقتصادي في العالم، وها هي نيجيريا على نفس الطريق، ما يعني أن القارة السمراء ربما ستغير صورتها النمطية التي ألفناها عنها، في المستقبل القريب.
تحولات القارة الإفريقية، وفرصها الاقتصادية استرعت انتباه دول كبرى، مثل الصين، التي قررت الاستثمار بمليارات الدولارات في أفريقيا، وكذلك فعلت تركيا.. وطبعا دولة مثل إسرائيل لا يمكن لها أن تغفل عن ذلك، فقد قامت بحملة دبلوماسية لإعادة ترتيب علاقاتها مع عدد من الدول الأفريقية، وعقدت معها اتفاقيات أمنية واقتصادية.. أما الغائب الأكبر، فهم العرب، وللأسف الشديد، فالدول العربية من بعد عبد الناصر أدارت ظهرها لأفريقيا، مهدرة بذلك فرصا ذهبية ثمينة، كان يمكن لها أن تحقق مصالح عديدة للطرفين.