النجاح - سألني المرحوم الشاعر عبد اللطيف عقل ذات يوم: كيف اعلم حب المسيح وهذا المكان مزدحم بالجراد؟ موضحا أن غضب الأطفال محمول على الحب والرفض والدفاتر والمساطر والطباشير المعجونة بالتوجع، وان لهم لغة مختلفة من حوار السماء مع القدس، تمشي مخيلتهم أبعد من مدى الصواريخ وتحليق الطائرات وضربات الهراوات وقنابل الغاز. لا حدود عندهم للحلم، يزحفون ويلعبون ويكبرون ويملأون ملابسهم بالغبار والطين وحقائبهم بالحجارة والتين والزيتون، يقرعون جرس المدرسة ويكون الوقت تماما للدرس والمظاهرة.

بتاريخ 9/2/2019 أعدمت قوات الاحتلال الطفلين حمزة شتيوي 17 عاما وحسن شلبي 14 عاماً في مسيرات العودة على السياج الحدودي في قطاع غزة. رصاصات قاتلة في الصدر، إطلاق نار على الأطفال بهدف القتل، جثة الشهيد حسن شلبي، دخل غرفة الصف في المدرسة خلال تشييع جثمانه، قرأ الدرس الأخير على زملائه الطلاب، لم يغلق الكتاب، نثر دمه، رمى روحه ومضى إلى الأبد، تحرك الصغير، طار وانتفض الجسد.

الرئيس محمود عباس رفض أن تبقى مقاعد الشهداء فارغة في حجرات المدرسة، اصدر مرسوما رئاسياً بمقعد للشهيد الطفل حسن شلبي بالمجلس الوطني والمركزي في منظمة التحرير، وتسمية قاعة اجتماعات اللجنة المركزية لحركة فتح باسمه، حينها امتلأت كل القاعات بصور الأطفال الشهداء، الحمامات الذبيحة ترفرف في كل مكان، في كل بيت طفل شهيد، في هذا الشارع وفوق تلك الموجة شهيد، لهذا يقصفون البحر ليصطادوا الأطفال، يقصفون غزة فنعيد إنتاج موتنا تحت القصف وفي الجنازات، هناك تربي النخلات بطونها على الولادة في الرمل تحت القنابل، وهناك يرتفع الوطن على حناجر الصغار والأمهات.

تقارير المؤسسات الحقوقية والإنسانية موجعة وهي تتحدث عن قتل 2070 طفلا منذ عام 2000 على يد قوات الاحتلال، وان محاكم إسرائيل العسكرية تحاكم سنويا ما بين 500 إلى 700 طفل قاصر دون أية إجراءات لمحاكمة عادلة، فأطفال فلسطين اما جثثا تحت الركام أو على السياج، دماء الأطفال تسيل يوميا بين حاجزين، وإما أسرى معذبين مصدومين محرومين وقد قيدوا أحلامهم البريئة، كبلوا اليدين وعصبوا العينين.

منظمة بيت سيلم الحقوقية كشفت عن مقتل 290 فلسطينيا عام 2018 من بينهم 55 قاصراً، نتيجة لانفلات سياسة إطلاق النار التي تطبقها إسرائيل بمصادقة كبار المسؤولين السياسيين والعسكريين وبدعم من الجهاز القضائي، تحول جيش إسرائيل إلى جيش للقتل، ولا احد يحاسب القتلة على هذه الجرائم المتواصلة والمنظمة.

أطفال يقتلون على السياج الحدودي وعلى الحواجز وفي غرف النوم، في الأحلام وفي اليقظة، السماء في غزة يابسة، الأرض في الضفة الغربية تحولت إلى خرسانة مسلحة من الاستيطان وبلا أشجار وملامح وعاطفة.

الطفل الشهيد حسن شلبي سكان قطاع غزة يلتقي الشهيدة القاصر سماح مبارك 16 سنة في القدس المحتلة، مريولها المدرسي يرفرف فوق الأسوار العالية، دماء كثيرة، دماء مباركة، موت الأطفال يربك وكالات الأنباء، عملية إعدام علنية يتعرض لها الطفل فواز عبد 16 سنة في مدينة البيرة، المحكمة العسكرية الإسرائيلية تطلق سراح قاتل الطفل نديم نوارة، الحاخاميون الإسرائيليون يشيدون بقتلة الشهيدة عائشة الرابي وعائلة دوابشة، ولا زال الأطفال يربكون الليل ويطاردون الجراد المسلح في سماء غزة.

الإسرائيليون يطالبون بالمزيد من القتل ليملأوا قائمة الأهداف العسكرية كما طالب بذلك الجنرال الإسرائيلي افيف كوحاف رئيس هيئة الأركان، متوعدا الفلسطينيين بان يتعودوا على أرقام مضاعفة من الموتى صارخاً هذه أيام الشيطان وليس أيام المسيح، لهذا سقط الشهيد الطفل حسن نوفل 17 سنة قبل قليل، ولهذا أصبح اصطياد الأطفال يجري في عملية قتل جماعية، لم تستطع المسعفة الشهيدة رزان النجار إنقاذ المصابين، أعدموها قبل ان تصل إليهم، الإصابات حسب التعليمات كانت دقيقة في الرقبة والصدر والجمجمة.

أطفال ثانوية مخيم الفارعة في طوباس يطاردون وعد بلفور المشئوم باستذكار مدن أجدادهم وقراهم المدمرة خلال النكبة، الأطفال يطاردون وزير الخارجية البريطاني بلفور برسائل خطوها لطلبة وقادة انجليز، وأطفال غزة يطاردون الاحتلال وهم يهتفون بأسماء قراهم المهجرة ويكتبونها بدمهم في مسيرات العودة.

الشاعر المرحوم عبد اللطيف عقل يلملم شظايا طفولته ويكتبها بالطباشير الحمراء على اللوح، يسأل الطلبة أين المسيح؟ في كل شبر مجنزرة، ناقلات الجراد المسلح في خاطري، في غرفة نومي، في سجني، في عيون التلاميذ، تحتي وفوقي، أين حسن شلبي؟ تأخر عن الحصة الأولى والأخيرة، قولي لي: وصل حيفا وليس المقبرة.

يكتب عبد اللطيف عقل على اللوح:

ما يفصل الضفة عن غزة صاروخ وحاجز ..

وجثة طفل في مدرسة ابتدائية..

فليست الضفة هي الصوت وغزة هي الصدى ..

الأرض هوية، الدم هوية..

الشهداء يسمعوننا، للشهداء آذان كونية..