مهند عبد الحميد - النجاح - المعارضة الإسرائيلية الممثلة (باليسار الصهيوني)، بحسب حنين زعبي، عضو الكنيست عن القائمة العربية: تدعم اليمين المتطرف وتعطي شرعية للجرائم التي ترتكبها الأجهزة الأمنية، ولا تتحدث ضد القوانين العنصرية، بل صوتت مع عشرات القوانين التي شرعت لجرائم الحرب والأبارتهايد وسرقة الأراضي وطرد السكان. والمعارضة بحسب افتتاحية "هآرتس": لم تتضامن مع النواب العرب الذين طردوا من الكنيست أثناء خطاب مايك بنس نائب الرئيس الأميركي بذريعة رفعهم شعار (القدس عاصمة فلسطين). وتضيف "هآرتس": الوحيدون الذين وقفوا ضد الاحتلال وسعوا للسلام وأحبوا الديمقراطية، كانوا النواب العرب، بينما كل الآخرين برهنوا على أن قائدهم هو نتنياهو وأنهم يستحقون أيضاً دورهم الهامشي كمعارضة صورية. 
السؤال عن المعارضة الإسرائيلية يأتي في ظل إصرار التحالف الحاكم على إدامة الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية وتدمير مقومات إقامة دولة فلسطينية وأي حل سياسي يقبل به الشعب الفلسطيني، وممارسة أشكال من التطهير العرقي المدعمة بما يقارب الـ 200 قرار ومشروع قرار ومرسوم من طبيعة عنصرية، وممارسة قمع منهجي يومي يشمل أعمال قتل واعتقالات ومحاكمات وعقوبات فردية وجماعية وحصاراً وإغلاقاً وسرقة أراض والاستيطان الكولونيالي واعتداءات مستوطنين. تبدو المؤسسة الإسرائيلية "سلطة ومعارضة" موحدة في كل ما يتصل بالتنكر لحقوق الشعب الفلسطيني الوطنية والمدنية والإنسانية، وحرة في تصفية القضية الفلسطينية. 
هذه الحال تعد أمراً مستغرباً، ففي كل تجارب الاستعمار القديم والحديث انبثقت قوى مناهضه للاستعمار من داخل الدول المستعمِرة تدعم عملية تحرر الشعوب المستعمَرة، عبر نخب ثقافية وسياسية وقانونية، وصولاً إلى أكثرية شعب الدولة المستعمِرة. لكن مثل هذه النخب لم تتوفر لدى مجتمع المستعمِرين الإسرائيليين وضمن مؤسساته، إلا بمستوى هامشي لم يترك بصمات في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. بقي المجتمع الإسرائيلي تحت رحمة مؤسسة سياسية وأيديولوجيا ومنظومات قوانين وثقافة منحازة لتأبيد الاحتلال والسيطرة على شعب آخر. وأصبح الفعل الاستعماري الإسرائيلي من أخطر ما أنتجته التجارب الاستعمارية في العصر الحديث، وعنوان ذلك إنكار الطبيعة الاستعمارية للاحتلال الإسرائيلي، وإنكار الوجود الطبيعي للسكان الأصليين ولحقهم المشروع في العيش وفي امتلاك مواردهم. 
ويتجلى غياب الاستقطاب الطبيعي في المجتمع الإسرائيلي بين مؤيدين وداعمين للاستيطان الاستعماري وبين معارضين له ومؤيدين للشعب الفلسطيني، في تشوه المجتمع الإسرائيلي وتحوله إلى مجتمع خارج العصر بمرور الوقت. أما الأسباب التي قادت إلى ذلك فهي: 
• رفض الإسرائيليين انطباق شرعة حقوق الإنسان وحق الشعوب في نيل حريتها وتقرير مصيرها، وممارسة الديمقراطية والمساواة والعدالة والقانون الدولي بكل منظومته التي تغطي الحرب والسلم على الشعب الفلسطيني والاستعاضة عن تلك المنظومة بالميثولوجيا الدينية.
• الحماية المباشرة وغير المباشرة التي تؤمنها الدول المهيمنة، خاصة الولايات المتحدة ألأميركية لكل الانتهاكات والسياسات الاستعمارية الإسرائيلية، تلك الحماية التي أسبغت على مكانة إسرائيل صفة "دولة فوق القانون".
• عدم دفاع الأمم المتحدة بمختلف مؤسساتها عن ميثاقها وعن القانون الدولي في مواجهة الانتهاكات الإسرائيلية الفادحة والمتواصلة. 
• ضعف وهشاشة الضغوط والعقوبات والعزل التي تمارسها الشعوب والقوى المناهضة للحرب والاحتلال والعنصرية ومنظمات المجتمع المدني على إسرائيل كدولة محتلة. 
• خلق مصالح وامتيازات لأكثرية المجتمع الإسرائيلي عبر الاحتلال والسيطرة على شعب آخر واستشراء نزعة الكسب والاستئثار والنهب وتحولها إلى ثقافة متغلغلة في بنية المجتمع الإسرائيلي. 
• ارتباك الإستراتيجية الفلسطينية في العلاقة مع الآخر، التي تتراوح مواقفها بين براغماتية ارتجالية تفتقد إلى أسس ومعايير أخلاقية والتي أفضت إلى نتائج سلبية كالتطبيع مع الاحتلال وسياساته أو تشكيل غطاء لتطبيع الآخرين، وبين مواقف عدمية مغلقة لا ترى أي أهمية في العلاقة مع إسرائيليين كونهم شراً لا فائدة ترجى من العلاقة معهم، أو وضع شروط مثالية غير واقعية.
• استخدام الدوائر الصهيونية والمؤسسات التي تدور في فلكها للعقوبات بما في ذلك العزل ضد كل من ينتقد السياسات الاستعمارية والعدوانية والتمييزية الإسرائيلية وابتزاز المنتقدين ووضعهم في خانة العداء لليهود كيهود. 
غير أن السبب الأهم هو ضعف تبلور قوى معارضة إسرائيلية تتبنى ثقافة نقيضة للسياسة الرسمية الإسرائيلية. فالحزب الشيوعي الإسرائيلي لم يتمكن تاريخياً من بناء قوة قابلة للاستقطاب داخل المجتمع الإسرائيلي في مواجهة المشروع الاستعماري الإقصائي. وعندما بدأ الحزب بتجاوز مشكلة النشأة، نجح في استقطاب أعضاء فلسطينيين بنسبة متعاظمة وصولاً إلى طغيان العضوية الفلسطينية مقابل ندرة العضوية الإسرائيلية. إن إخفاق الحزب والقوى المنبثقة عنه في استقطاب إسرائيليين فاعلين ومؤثرين جعل المعارضة تقتصر على قوى من داخل المؤسسة الاستعمارية يميناً ويساراً. وعندما حاولت حركة ميرتس تمييز مواقفها عن اليسار الصهيوني انخفض تمثيلها في الكنيست من 12 عضواً إلى 5 أعضاء. ضمن هذه المعادلة فإن المعارضة الرسمية الحقيقية هي القائمة العربية التي تحظى بتأييد حركة "ميرتس" في العديد من القضايا. وفي هذه الحدود تبدو المعارضة الإسرائيلية من داخل مجتمع المستوطنين باهتة وغير قادرة على الاستقطاب. 
لكن المشهد الإسرائيلي لا يخلو من منظمات معارضة ضعيفة بعيدة عن الأضواء تؤيد الحقوق الفلسطينية، ولا يوجد لها تمثيل داخل المؤسسة الرسمية. بعضها معارضات دينية مثل منظمة "ناطوري كارثا" التي تؤيد دولة فلسطينية في حدود فلسطين التاريخية، ومنظمة "صوت يهودي للسلام" تؤيد حق عودة اللاجئين وتدعم مقاطعة إسرائيل. ومنظمة "إسرائيليون ضد الجدار" تشارك في الاحتجاجات ضد جدار الفصل العنصري، وضد الاحتلال. ومنظمة "ترابط" التي تضم "يهود عرب" مع حق تقرير مصير دون المس بحقوق الطرف الآخر، وتعتبر إسرائيل مشروعاً كولونيالياً عنصرياً، وتدعو إلى دمج إسرائيل في شرق أوسط ديمقراطي ومتحرر. وجمعية "زوخروت" التي تدعو إلى تطبيق حق العودة وتخليد ذكرى القرى الفلسطينية المدمرة والمهجرة وإلى التخلي عن الممارسات الاستعمارية. ويوجد إلى جانب تلك المنظمات المعارضة، منظمات تتخصص في مجال الدفاع عن قضية واحدة، "كأطباء من أجل حقوق الإنسان"، ومنظمة "بيتسيلم"، ومنظمة "نكسر الصمت"، و"نساء ضد الحواجز". البعض يقول: إن دولة الاحتلال تقبل بهذه المنظمات المعارضة كونها ضعيفة ولا تؤثر في القرار الإسرائيلي الرسمي، ولأنها تقدم الدليل على وجود تعدد وديمقراطية إسرائيلية. ولكن وفي كل الأحوال فإن كل معارضة إسرائيلية سواء كانت منظمات أو أفراداً وسواء كانت المعارضة مبدئية وجذرية أو كانت جزئية هي مسألة لا غنى عنها في شروط الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. وتزداد مثل تلك الأهمية مع كل تفكيك وتجاوز للأسباب التي تحظر معارضة ومعاقبة دولة الاحتلال. ثمة مصلحة كونية وفلسطينية في معالجة التشوه الإسرائيلي الذي صنعه الاحتلال والتواطؤات الدولية والإقليمية معه. 
Mohanned_t@yahoo.com

عن الايام الفلسطينية