باسم برهوم - النجاح - شكل منع عرض الفيلم "القضية 23" للمخرج اللبناني زياد دويري في قصر الثقافة في رام الله، صدمة كبيرة لكل الحريصين على المشهد الثقافي والفكري الفلسطيني، صدمة متعددة المعاني. الفيلم كان من المفترض ان يعرض في ختام حدث ثقافي مهم، وهو مهرجان السينما الفلسطيني "أيام سينمائية".

إن المنع من حيث المبدأ، وبغض النظر عن المبررات، هو أمر مرفوض، وفيه انتهاك واضح لحرية الرأي والتعبير، وقدر كبير من الاستهانة بعقول الناس، وقدرتهم على التمييز وبناء المواقف، كما فيه نوع من الوصاية على عقولنا وهو أمر لا يمكن قبوله.

حضرت المؤتمر الصحفي، الذي أعلنت فيه جوائز المهرجان في بهو القصر الثقافي، لأن قاعة القصر كانت مغلقة. بيان اللجنة المنظمة كان هادئا متوازناً فيه تغليب للغة الحوار، بيان بلدية رام الله، وهي صاحبة قرار منع العرض، الذي صدر لاحقا كان أيضا متوازنا ويغلب لغة الحوار. فالسؤال: لماذا لم نغلب لغة الحوار قبل المنع، ولماذا انتصرت لغة التهديد والضغط على الحوار، وهي التي مع الأسف أضرت في مشهدنا الثقافي، الذي نحن بأمس الحاجة ان تكون فيه أوسع هوامش للحوار وحرية التعبير وهو بالفعل كذلك؟

ان حرصنا الشديد على لجنة المقاطعة الثقافية والأكاديمية ودعمنا ومساندتنا لها، وهي تقوم بإنجازات ملموسة في عزل الاحتلال الاسرائيلي وعزل عنصرية الفكر الصهيوني وإبراز خطورتها على الحضارة الانسانية، فإننا ومن موقع هذا الحرص، فإن اللجنة يجب ان لا تنزلق لتصبح طرفاً في سجالات داخلية في المشهد الثقافي الفلسطيني، فهي بحاجة للإجماع من حولها، كان بالإمكان ان تستخدم لغة الحوار وتقديم الحيثيات، خصوصا ان هناك نقصا كبيرا في المعلومات بما يتعلق بالمخرج زياد دويري المتهم بالتطبيع في فيلم سابق له وليس في فيلم "القضية 23". فمبدأ المنع مرفوض، ومبدأ تنحية لغة الحوار مرفوض، نحاور ونعرف ونحكم، لنشاهد ونعرض ونحكم.

لقد كنت أنا شخصياً أرغب بمشاهدة دور الممثل الفلسطيني المقدسي كامل الباشا، والذي حاز على جائزة أفضل ممثل في مهرجان البندقية للسينما، خصوصا ان الفيلم وبغض النظر عن مضمونه لا علاقة له بالتطبيع. علينا ان نثق بعقولنا، وان نثق بلغة الحوار بيننا وأن نلجأ للتثقيف وتعزيز وتعميق الوعي، وهذا لن يأتي من خلال المنع، بل من خلال النقاش البناء.