رائد ابو بكر - النجاح الإخباري - عندما تدخل حي السيباط في مدينة جنين تشتم رائحة الخبز العربي الفلسطيني تفوح من مبنى قديم جدا، يطلق عليه فرن الكفاح أقدم الأفران في جنين وربما على مستوى الضفة الغربية، إذ يتجاوز عمره 260 عاما، ولا يزال يطعم الناس خبزا حتى هذه اللحظة.

باب الفرن من حديد بطراز قديم، على مدخله ترى أكواما من الأخشاب قد جمعت لإشعال الفرن، وفي وسطه، بمساحه خمسة أمتار مربع، تجد السبعيني عبد اللطيف العجاوي المعروف ب "أبو محمد"، الذي توارث الفرن ممن قبله، منهمكا في تحضير العجين ورقّه والتحضير للخبيز، وبعد أن انتهى من ذلك أشعل بيت النار بواسطة زيت محروق وبضعة أخشاب.

يقول أبو محمد: "منذ 62 عاما استيقظ مطلع الفجر أمارس مهنتي هذه، حيث ضمنت الفرن عام 1955، وكما قال لي كبار السن أن أجيالا عملت هنا، فهم يذكرون الحاج أمين حسنين المشهور وقتها بالخبز العربي لأهالي جنين، حيث اشتغل فيه نحو 66 عاما، وهناك أجيال قبله وأجيال بعده حتى جئت أنا" ، مؤكدا على أن الفرن تأسس زمن العثمانيين.

وأشار إلى أنه لم يجري تغيرات على المكان إلا أته أعاد تأهيل بيت النار، وما تبقى من الفرن فهو على حاله إلى اليوم ليكون شاهدا للأجيال القادمة، موضحا أن طبيعة العمل سابقا كانت باستقبال العجين الذي تحضّره النساء في الحي وخبزه، ومنهن من تحضر طعاما لتحميره أو طبخه أو شويه، وبعدها تغير الحال حتى أصبح يحضّر العجين والرغيف ويبيعه لأهل الحي حتى هذه اللحظة، الذي تناقصوا وأصبحوا يعتمدون على خبز الأفران الحديثة، مؤكدا على أنه الوحيد في محافظة جنين من يعمل الخبز العربي على أصوله.

طعم خاص:

يختلف طعم الخبز الذي ينتجه أبو محمد عن غيره، ويوضح أبو محمد أن خبزه العربي أُعد على الطريقة الفلسطينية، حيث خبز على الحطب والزيت المحروق، مشيرا إلى أنه ما زال يستخدم الطحين القديم المعروف قديما "بالفرنجية" بنوعيه الأبيض والقمح، والذي يُنخل ومن ثم يُعجن، وهذه الطريقة تختلف عن الطريقة المعتمدة في الأفران الحديثة، التي تضع الطحين بأكمله في آلة العجانة فورا دون تنخيله وإزالة الشوائب منه، موضحا أنه لا مشكلة بعمل الأفران الحديثة لكن هناك اختلاف بالطريقة ما بين القديم والحديث.

وريث المهنة التالي:

لا يعلم أبو محمد من هو الشخص الذي سيأتي بعده ويرث الفرن والمهنة القديمة، مشيرا أنه لم يعلم أحد حتى أبنائه لسبب لا يعرفه هو، موضحا أنه ترك الحرية الكاملة لأبنائه في أعمالهم، منهم من تخرّج من الجامعات، ومنهم من يعمل في مهن أخرى، وبيّن أنه تعلم إعداد الخبز العربي منذ صغره عندما كان يعمل في مدينة حيفا قبل عام 1948 في إحدى الأفران العربية، وبعد الحرب عاد إلى جنين وضمن هذا الفرن ليعمل فيه.

مردود غير مجدي:

ما يكسبه الحاج أبو محمد يوميا لا يتجاوز 50 شيكل وربما أقل، ورغم ذلك إلا انه مستمر في عمله بنشاط، يقول: "قيمة ما أكسبه في اليوم كان قديما يكفيني وعائلتي، لكنها اليوم مصروفا شخصيا أكتفي بها لنفسي، ولا أنتظر مساعدة أحد، ورغم ذلك سأبقى أعمل في هذا الفرن حتى وفاتي لعدة أسباب منها، أن أهل الحي اعتادوا على خبزي، بالإضافة إلى أن في العمل بركه، وفي هذا السن إن جلست في المنزل سأكون عالة على غيري، عدا عن هبوط جسمي لقلة الحركة".

الحاج أبو محمد أعرب عن خشيته أن ينطفئ نار فرنه بموته، بعد أن أمضى أكثر من ستين عاما  حريصا على إشعاله كل صباح، لكنه يَعدُ بأنه سيبقى يجمع أهالي جنين على كسرة خبز ساخنة حتى آخر لحظة من عمره، موصيا بالحفاظ على هذا الفرن من بعده لأنه أصبح معلما أثريا وتاريخيا تزخر به البلدة القديمة في جنين ويشكل ذاكرة حية للماضي البعيد.