النجاح الإخباري - تشهد المنطقة العربية والفلسطينية في ظل الأزمات الإقليمية المتسارعة حالة من التوتر غير المسبوق، حيث تتشابك ملفات النزاعات المحلية والإقليمية مع التحولات الكبرى في السياسة الدولية. وعلى الرغم من الإعلان عن هدنة في قطاع غزة، إلا أن الواقع على الأرض يعكس استمرار الخروقات والتوترات، ما يجعل السيناريوهات المستقبلية غامضة ومفتوحة على احتمالات التصعيد أو التهدئة الهشة.
وفي قراءة تحليلية لأبعاد المشهد السياسي في المنطقة، قال الكاتب والمحلل السياسي د. طلال أبو ركبة، "إن إسرائيل بالتعاون مع الولايات المتحدة، تعمل على تقويض النفوذ الإيراني في المنطقة، لإزاحة إيران عن المشهد السياسي وفرض الرؤية الإسرائيلية على التوازنات الإقليمية، بما في ذلك من خلال إقامة تحالف سداسي يطوق الدول العربية المؤثرة، ويضمن لإسرائيل تفوقها الاستراتيجي في المنطقة، ويحد من أي محاولات للتحدي سواء من إيران أو من تحالفات سنية محتملة.
أما على الصعيد الفلسطيني، أكد أبو ركبة خلال حديثه لإذاعة النجاح، أن إسرائيل تسيطر حالياً على 60% من قطاع غزة، ما يعرف بالمنطقة الصفراء، حيث تمارس سلطتها بشكل يضمن استمرار معاناة السكان الفلسطينيين ويحول دون تمكين السلطة الوطنية الفلسطينية من إعادة توحيد الأراضي الفلسطينية أو إدارة الأزمات الإنسانية بفعالية. وأضاف أن هذه السياسات الإسرائيلية تقوض أي إمكانية لإقامة دولة فلسطينية متصلة، وتعيد إنتاج حالة عدم الاستقرار والاعتماد المستمر على المساعدات الإنسانية، في حين يتم تحجيم دور قطاع غزة كمصدر ضغط استراتيجي على إسرائيل، وتحويله إلى أداة ضمن مخطط أكبر لإعادة ترتيب الشرق الأوسط.
من جانبه، أشار الأستاذ إيهاب نافع، الباحث المختص في العلاقات الدولية من القاهرة، إلى أن التدخل الإسرائيلي في الأزمة الإيرانية يزيد تعقيد المشهد ويؤثر بشكل مباشر على غزة. وأوضح نافع أن هناك ثلاثة سيناريوهات محتملة للتوصل إلى اتفاق بين إيران والولايات المتحدة: الأول هو التوصل لاتفاق سريع قبل المهلة المحددة، والثاني الاتفاق الجزئي على الحد الأدنى من المطالب الأمريكية وهو الأكثر احتمالاً، أما الثالث فهو السيناريو الأسود الذي يشير إلى تصعيد غير محسوب العواقب قد يؤثر على كامل المنطقة بما فيها غزة.
وأكد نافع خلال حديثه لإذاعة النجاح، أن الانقسامات العربية تلعب دوراً حاسماً في تفاقم الأزمة الفلسطينية. فقد انعكس الانقسام بين الدول الخليجية حول التعاطي مع إسرائيل وإيران على قدرة العرب على التوصل إلى موقف موحد يدعم القضية الفلسطينية. بعض الدول ترى في إسرائيل حليفاً استراتيجياً ضد إيران، فيما تعتبر دول أخرى إسرائيل تهديداً للأمن القومي العربي. هذا التباين الاستراتيجي جعل القضية الفلسطينية أكثر هشاشة وأتاح لإسرائيل استغلال الفوضى لتحقيق مصالحها على حساب الفلسطينيين، مع استغلال الانقسام العربي لإضعاف أي تنسيق محتمل حول دعم الحقوق الفلسطينية.
أما فيما يتعلق بتداعيات التصعيد على قطاع غزة والضفة الغربية، فقد لفت أبو ركبة إلى أن فلسطين ستكون الخاسر الأكبر سواء انتهت الحرب أو استمرت. وإسرائيل تسعى لتصفية الحقوق الفلسطينية عبر مصادرة الأراضي في الضفة الغربية، وتكريس الواقع الإنساني المأساوي في غزة، مع التركيز على إعادة توزيع السكان وإعادة هندسة القطاع ديموغرافياً وجغرافياً بما يبعده عن سياقه الوطني الفلسطيني. وأضاف أن الانقسام الفلسطيني واستغلال ضعف السلطة يمثلان عاملين إضافيين يسهمان في تعزيز المخطط الإسرائيلي لتقويض أي مشروع فلسطيني قادر على تحقيق وحدة أرضية أو سياسية.
وفي ختام التحليل، اتفق الضيفان على أن الأزمة الإقليمية الحالية والتوترات بين الولايات المتحدة وإيران، بجانب السياسات الإسرائيلية، تهدد بشكل مباشر إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة، وتضعف فرص التوصل إلى حل شامل. كما أكدا أن إسرائيل تستغل التوترات الإقليمية لإعادة ترتيب الشرق الأوسط وفق رؤيتها، بينما الانقسامات العربية الداخلية تزيد من هشاشة القضية الفلسطينية وتتيح لإسرائيل تعزيز نفوذها واستراتيجياتها على الأرض.