النجاح الإخباري - يشهد مسار التهدئة في قطاع غزة تباطؤاً ملحوظاً، بعد مرور أكثر من ستة أسابيع على دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، في ظل استمرار انتهاكات الاتفاق من قبل الاحتلال، وكشفت مصادر عربية مطّلعة على محادثات القاهرة أن الولايات المتحدة لا تمارس ضغطاً جدياً على إسرائيل لدفع تنفيذ التزامات المرحلة الثانية من الاتفاق.
اشتباكات متواصلة وارتفاع حصيلة الشهداء
أفادت وزارة الصحة في غزة باستشهاد ثلاثة فلسطينيين، الاثنين، قرب الخط الفاصل داخل القطاع، إثر استهدافهم بطائرة مسيّرة إسرائيلية شرق خان يونس، فيما استشهد آخر بقصف دبابة شرق مدينة غزة. وأكدت الصحة أن 342 فلسطينياً استشهدوا بنيران الاحتلال منذ بدء سريان الهدنة في العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.
وفي المقابل، زعمت قوات الاحتلال استهدافها لما سمتهم «مسلحين» عبروا الخط الأصفر واعتُبروا «تهديداً فورياً»، مشيرة إلى استشهاد ثلاثة من جنودها خلال الفترة ذاتها برصاص مقاومين فلسطينيين.
تعقيدات جديدة في ملف الأسرى والجثامين
وتضيف التطورات الميدانية طبقة جديدة من التعقيد على المفاوضات الجارية، إذ لا تزال جثتان فقط محتجزتين لدى حماس في غزة.
وأعلنت «سرايا القدس»، الجناح العسكري لحركة «الجهاد الإسلامي»، العثور على جثمان أحد الأسرى في مناطق تسيطر عليها إسرائيل، دون تحديد موعد لتسليمه.
وكان الاتفاق المبرم بين «حماس» وإسرائيل في التاسع من أكتوبر قد أنهى عامين من الحرب، لكنه أرجأ القضايا الأكثر حساسية إلى مراحل لاحقة. ونصّت الصفقة على إطلاق سراح 20 أسيراً إسرائيلياً مقابل نحو 2000 أسير فلسطيني، إضافة إلى تبادل جثامين 28 أسيراً مقابل 360 من مقاتلي الفصائل. ومنذ ذلك الحين، يتبادل الطرفان الاتهامات بعرقلة تنفيذ بنود «الخطة الأميركية» المؤلفة من 20 بنداً، والتي طرحها الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب.
مقاتلو حماس في أنفاق رفح قلب المشكلة
في السياق تظل عمليات البحث عن مقاتلي حماس المتحصنين في أنفاق رفح من أبرز العقبات أمام الانتقال إلى المرحلة الثانية. وتفيد التقارير العبرية بأن إسرائيل كانت مستعدة للسماح لهم بالهجرة إلى دولة ثالثة مقابل عدم المساس بهم، لكن لم يُعثر على دولة تقبل استقبالهم، ما يترك عددًا قليلاً منهم في المنطقة، مع مقتل بعض الخارجين من الأنفاق واستسلام آخرين. ويشير مصدر إسرائيلي إلى أن هذه القضية تشكل نقطة حاسمة لتقدّم الصفقة أو تأجيلها.
مفاوضات القاهرة «بلا قيمة»
وأوردت صحيفة "هآرتس" نقلا عن مصادر عربية حول المفاوضات في القاهرة، أن الولايات المتحدة لا تمارس أي ضغط جدّي على إسرائيل لدفع تنفيذ التزامات المرحلة الثانية، وأن المفاوضات باتت «بلا قيمة» في ظل غياب دور أميركي واضح. وأوضح المصدر أن واشنطن تقدم رسائل متناقضة، فيما تتذرع الحكومة الإسرائيلية بالخلافات الداخلية لتأجيل أي اتفاق جديد.
دعم دولي للخطة الأميركية وسط خلافات جوهرية
وكان مجلس الأمن الدولي قد صوّت لصالح قرار يمنح دعماً دولياً لخطة ترمب، تضمّن تشكيل حكومة فلسطينية تكنوقراطية مؤقتة في غزة، ونشر قوة أمنية متعددة الجنسيات للإشراف على ترتيبات المرحلة الانتقالية، فضلاً عن اشتراط إصلاحات داخل السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية.
غير أن الخلاف الجوهري يتمحور حول طبيعة القوة الدولية وصلاحياتها؛ إذ تريد إسرائيل أن تتولى هذه القوة مهمة نزع سلاح «حماس»، في حين ترفض الحركة ذلك من دون اعتراف واضح بالدولة الفلسطينية ووقف الانتهاكات الإسرائيلية، مؤكدة أن أي قوة دولية يجب أن تضطلع بدور حماية المدنيين وإبعاد الجيش الإسرائيلي عن مناطقهم.
تحركات سياسية في رام الله والقاهرة
وشهدت الأيام الماضية سلسلة تحركات سياسية مكثفة؛ إذ التقى رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، أحد المشاركين في صياغة الخطة الأميركية، نائبَ رئيس الوزراء الفلسطيني حسين الشيخ في رام الله، لمناقشة متطلبات تنفيذ قرار مجلس الأمن والدفع باتجاه مسار حقيقي لتحقيق تقرير المصير الفلسطيني.
وفي القاهرة، ترأس خليل الحيّة وفد «حماس» في اجتماعات مع المسؤولين المصريين، مجدداً تحذير الحركة من أن «الانتهاكات الإسرائيلية تقوّض التفاهمات»، مؤكداً أن المرحلة الثانية «معقدة وتحتاج لالتزامات واضحة». وقال مسؤول فلسطيني مشارك في المحادثات للنجاح الإخباري إن «الأميركيين لم يقدموا أي تصور مفصّل بشأن القوة الدولية أو مهامها أو مناطق انتشارها»، محذراً من أن نشر قوة من دون توافق فلسطيني شامل سيزيد الأمور تعقيداً.
عوائق تتجاوز الميدان
وتُظهر المعطيات أن مسار التهدئة لا يزال هشاً، وأن العوائق تتجاوز الاشتباكات الميدانية لتشمل تعثّرًا سياسياً حاداً ناجماً عن غياب رؤية أميركية واضحة، وانقسامات داخل القيادة الإسرائيلية، وخلافات حول طبيعة القوة الدولية وصلاحياتها، فضلاً عن استمرار الانتهاكات الإسرائيلية داخل القطاع. ويرى مراقبون أن الهدنة الحالية تمثل تجميداً للصراع لا حلاً له، وأن أي تقدّم في المسار السياسي سيظل مرتهناً لمعادلات إقليمية ودولية لم تنضج بعد.