النجاح الإخباري - بقلم : د. ياسر أبوبكر .
يمثل التعليم في البيئات القسرية ظاهرة مركبة تتجاوز الطابع الإنساني الطارئ إلى بعدٍ فلسفي يلامس جوهر الوجود البشري. ففي مواجهة القهر والحرمان، يتحول التعليم من نشاطٍ مؤسسي منظم إلى فعلٍ مقاوم يتحدى الانهيار الاجتماعي والفراغ النفسي. ومن هنا، تتبلور مجموعة من الاستراتيجيات التربوية التي وُلدت من رحم التجربة الإنسانية في النزاعات والمنافي والسجون، والتي تشكل اليوم أحد أعمدة الفكر التربوي النقدي.
إنّ دراسة هذه الاستراتيجيات تكشف أنّ التعليم في القسر لا يُدار وفق منطق الكفايات أو الأداء المؤسسي، بل وفق منطق “الضرورة الوجودية”. ففي غياب المدارس الرسمية والمناهج الثابتة، تصبح كل مساحة محتملة هي حقل تعلم، وكل فرد قادر على القراءة هو معلم محتمل. هذا النمط من التعليم لا يُخطط له في المكاتب، بل يُصاغ في الميدان من خلال التجربة الجماعية التي تجمع بين الخوف والرغبة في الاستمرار. وهكذا تتشكل استراتيجيات جديدة تُعيد تعريف العملية التعليمية بوصفها فعلًا اجتماعيًا وسياسيًا، لا مجرد نشاطٍ أكاديمي.
لقد كشفت التجارب العالمية -من أفغانستان إلى لبنان وأوغندا -أن التعليم في القهر يقوم على ثلاثة مرتكزات أساسية: المرونة، والمشاركة، والمعنى. فالمرونة تتيح للنظام التعليمي أن يتكيف مع غياب البنية التحتية، والمشاركة تجعل من المجتمع المحلي شريكًا أساسيًا في عملية التعلم، أما المعنى فيحوّل الدرس من وسيلة لاكتساب المهارة إلى أداةٍ لحماية الهوية. غير أن التجربة الفلسطينية قدّمت بعدًا إضافيًا، إذ جمعت بين هذه المرتكزات الثلاثة وأضفت عليها البعد المقاوم، فصار التعليم ليس فقط وسيلة للبقاء، بل وسيلة لتحدي الاحتلال والهيمنة الثقافية.
في فلسطين، حين أُغلقت الجامعات بفعل الحصار أو الاحتلال، واصل الطلبة تعليمهم في البيوت والمساجد والساحات، وحين هُدمت المدارس في غزة، ظهرت مبادرات التعليم المجتمعي والتعليم الإلكتروني الطارئ. هذه الأشكال ليست مجرد حلول بديلة، بل هي استراتيجيات وعي تُعيد إنتاج العلاقة بين الإنسان والمعرفة في ظروفٍ قصوى. فالتعليم هنا يُصمَّم بوعيٍ سياسي وأخلاقي في آنٍ واحد، يُدرك أن استمرار التعلم هو استمرار للوجود الوطني ذاته.
من زاويةٍ فلسفية، يمكن القول إن استراتيجيات التعليم في القهر تنتمي إلى ما يسميه باولو فريري بـ“التربية التحررية”، حيث يصبح التعليم أداة لفهم الواقع وتغييره، لا وسيلة للتكيّف معه. فالعملية التعليمية في هذه الظروف لا تهدف إلى إعداد أفراد قادرين على الاندماج في النظام، بل إلى تكوين مواطنين يمتلكون القدرة على مساءلته وإعادة بنائه. لذلك، تتسم هذه الاستراتيجيات بجرأة فكرية عالية؛ فهي تُعيد تعريف دور المعلم والمتعلم، وتكسر الثنائية التقليدية بين “المُرسل والمتلقي” لصالح حوارٍ قائم على المساواة والتجربة المشتركة.
إن التجربة الفلسطينية تقدّم نموذجًا استثنائيًا لما يمكن أن يُسمى “البدائل التربوية المقاومة”، حيث تُحوَّل الموارد المحدودة إلى فرص، والقيد إلى فضاءٍ للإبداع. فالمعلم في القسر ليس ناقلًا للمعرفة بل صانعها، والطالب ليس مستقبلًا بل شريكًا في إنتاجها. هذه التحولات ليست طارئة بل تمثل نواة فلسفةٍ تربوية جديدة تستحق أن تُدرّس عالميًا، لأنها تضع الإنسان في مركز العملية التعليمية، لا بوصفه كائنًا متعلمًا فحسب، بل فاعلًا تاريخيًا يصنع وعيه في وجه القهر.
في المحصلة، يمكن القول إن استراتيجيات التعليم في القهر لا تنتمي إلى الطوارئ بل إلى الديمومة. فهي لا تُعلّم كيف ينجو الإنسان فحسب، بل كيف يعيد بناء عالمه من جديد. ومن هذا المنظور، تصبح التجربة الفلسطينية مختبرًا معرفيًا عالميًا لفهم جوهر التربية في أقصى ظروفها الإنسانية، ولإثبات أنّ القهر لا يُنتج الجهل بالضرورة، بل قد يكون الحاضنة الأولى للوعي الذي يصنع المستقبل.