النجاح الإخباري - كتب د. ياسر أبوبكر:

في تاريخ الأمم، لا يوجد مَن حمل عبءَ النهضة مثلما حمله المعلم، ولا مَن ظلّ واقفًا على ثغور الوعي مثلما ظلّ المعلم الفلسطيني. فمنذ أن كانت المدرسة الفلسطينية واحدة من أدوات البقاء الوطني، كان المعلّم هو الحارس الأول للهوية والذاكرة، والساعي في درب النور في زمن الظلمة. لكن هذا "المستنير الأصيل" بات اليوم يعيش معادلة مؤلمة؛ فبين قداسة الرسالة وضيق المعاش، تتنازع حياته قيمٌ كبرى وضروراتٌ صغرى لا تليق بمقامه ولا بدوره في بناء الإنسان الفلسطيني.
الحديث عن المعلم الفلسطيني ليس حديثًا عن فئةٍ مهنية، بل عن ركيزةٍ حضارية في مجتمعٍ يقف على تماسٍ دائم بين الاحتلال والنهضة، بين التحدي والكرامة. فالمعلم في هذا السياق لم يكن مجرد ناقل للمعرفة، بل فاعل تربويّ يحمل في جوهره فكرة الاستخلاف في الأرض التي أشار إليها القرآن الكريم حين قال تعالى:
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ "العلق:1"
هذه الآية ليست دعوة للقراءة فقط، بل إعلان لبداية الوعي الإنساني، ولرسالة المعلم الذي يربط بين العلم والإيمان، بين الفكر والكرامة، وبين التعليم والتحرر.
غير أن التحديات التي يعيشها المعلم الفلسطيني اليوم تكشف عن أزمة تربوية مركّبة لا تتعلق بالرواتب أو المطالب النقابية فحسب، بل تتعلق أولًا بخللٍ في المنظور الثقافي والاجتماعي لدور المعلم. فحين يُختزل دوره في التلقين، وتُدار المدرسة بمنطق الكمّ والامتحان، نفقد جوهر العملية التربوية القائم على بناء الإنسان لا حفظ المعلومة. إننا بذلك نغفل عن أن التربية - كما يقول الفكر التربوي المعاصر - عملية تحويل ثقافي ومعرفي تسعى إلى تمكين المتعلم من التفكير النقدي والإبداعي، لا إلى ضبطه ضمن نمطٍ إداري جامد.
لقد استطاع المعلم الفلسطيني، رغم الأزمات الاقتصادية والضغوط النفسية، أن يقدّم نموذجًا تربويًا فريدًا في الاستمرارية تحت القهر، محولًا التعليم إلى شكلٍ من أشكال المقاومة الهادئة. فداخل الصف، يزرع المعلم في طلبته معنى الكرامة، وفي المناهج يزرع روح الانتماء، وفي كل حصة يذكّرهم أن العلم ليس رفاهية، بل هو شرط للبقاء والحرية. إنها تربية الوعي قبل تربية المهارة، وهي التي حفظت للفلسطيني هويته في زمنٍ حاول فيه الاحتلال طمس كل ما يمتّ إلى الذات الوطنية بصلة.
لكننا لا نستطيع أن نطلب من هذا المعلم أن يظلّ منيرًا دون أن نحمي شعلة نوره. فلا إصلاح تربويّ ممكن دون إصلاح أوضاع المعلّمين، ولا نهضة تعليمية تتحقق بموظفٍ يلهث خلف راتبه، أو بمعلمٍ يعيش القلق الاقتصادي في كل صباح. الكرامة المهنية شرطٌ سابق للإبداع، والأمن النفسي هو أساس العملية التربوية. فالمعلم المقهور لا يستطيع أن يربي أحرارًا.
إنّ ما يحتاجه التعليم الفلسطيني اليوم ليس خططًا بيروقراطية جديدة، بل إعادة بناء فلسفة العلاقة بين المجتمع والمعلم. علينا أن نعيده إلى موقعه الطبيعي كقائدٍ للتنوير، ومثقفٍ عموميٍّ له رأي في السياسات التربوية، لا مجرد منفّذٍ لها. فالمعلم الذي يُعامل كشريكٍ في القرار سيعلّم طلابه معنى الشراكة في الحياة العامة، والمعلم الذي يُقصى من صناعة الرؤية سيزرع بدوره طلابًا بلا رؤية.
إنّ مسؤوليتنا الأكاديمية والتربوية أن نعيد الاعتبار لدور المعلم باعتباره فاعلًا حضاريًا قبل أن يكون مهنيًا. فكما كان أسلافنا في الحضارة الإسلامية يرون في المعلم حامل الأمانة الإلهية في قوله تعالى:
﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ "المجادلة:11"،
كذلك نحن مطالبون اليوم بإعادة بناء هذا المقام في الوعي الجمعي الفلسطيني والعربي.
فالمعلم ليس طرفًا في أزمةٍ نقابية، بل هو مؤشر حضاري لمدى احترامنا للإنسان العارف. وإذا أردنا إصلاح التعليم، فعلينا أولًا أن نصلح نظرتنا إلى من يحمل مفاتيحه.
في نهاية المطاف، سيبقى المعلم الفلسطيني، رغم العثرات، حامل الرسالة التي لا تنطفئ. هو الذي يكتب على سبورته كل يوم ما يشبه وصية الحضارة: أن البقاء للأمم التي تكرّم معلّميها، لأنهم وحدهم يصنعون الإنسان الذي يُبقي للوطن معنى.