النجاح الإخباري - كتب د.ياسر أبوبكر:
في الوقت الذي تتسارع فيه الأزمات العالمية وتتعمّق الفجوات بين الأغنياء والفقراء، تستعد الأمم المتحدة لعقد القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية (WSSDII) في العاصمة القطرية الدوحة في نوفمبر 2025، بعد ثلاثين عامًا على القمة الأولى التي استضافتها كوبنهاغن عام 1995. وبين القمتين مسافة زمنية طويلة كشفت عن فشل النظام الاقتصادي العالمي في ترجمة الوعود إلى واقعٍ عادلٍ للإنسان.
فالقمة المنتظَرة لا تأتي كاحتفالٍ رمزي، بل كمحاولة لإنقاذ مفهوم التنمية من التآكل أمام صعود سياسات السوق الحر، وتهميش الطبقات الفقيرة، واتساع رقعة الحروب وتغير المناخ. إنها عودة إلى جوهر الفكرة: أن العدالة الاجتماعية ليست بندًا في خطةٍ أممية، بل أساس البقاء الإنساني نفسه.
ما يميّز التحضيرات الجارية للقمة أنها تسعى إلى إعادة تعريف التنمية من منظورٍ شامل يربط بين الاقتصاد والبيئة والكرامة الإنسانية، ويرى في التعليم والعمل والحماية الاجتماعية ركائز لا تقلّ أهمية عن الناتج المحلي. لقد أثبتت العقود الماضية أن الأرقام لا تصنع السعادة، وأن النمو بلا عدالة لا يبني استقرارًا.
وفي العالم العربي، تكتسب هذه القمة أهمية استثنائية. فمجتمعاتنا تواجه مفارقة قاسية: ثرواتٌ ضخمة إلى جانب بطالة متفشية، وتحديث عمراني يقابله تآكل في منظومة العدالة والتعليم. المطلوب اليوم ليس المزيد من المؤتمرات، بل إرادة سياسية تُترجم العدالة إلى سياسات في توزيع الثروة، والضرائب، والتعليم، وتمكين الشباب والمرأة.
أما فلسطين، فقصتها مع التنمية مختلفة؛ إذ لا يمكن الحديث عن تنمية مستدامة تحت احتلالٍ يقيّد الموارد ويمنع السيادة على الأرض والمياه والاقتصاد. هنا تتحوّل التنمية إلى فعل مقاومة، والتعليم إلى سلاح وطني، والعمل إلى وسيلة صمود. فالقمة المقبلة يجب أن تضع في جدول أعمالها مفهوم "العدالة تحت القهر"، حيث التنمية ليست ترفًا بل نضالًا من أجل الحياة.
قمة الدوحة المقبلة ستكون اختبارًا حقيقيًا لمدى صدق العالم في التزامه بمبادئ العدالة الاجتماعية. هل ستبقى الشعارات تتكرر منذ كوبنهاغن 1995 حتى الدوحة 2025؟ أم ستُولد من هذه القمة رؤية جديدة تُعيد التوازن بين الاقتصاد والإنسان؟
الإجابة لن تأتي من النصوص الأممية وحدها، بل من إرادة الشعوب التي تؤمن بأن التنمية ليست منحة من فوق، بل حقٌّ يُنتزع من أجل الكرامة والحرية.