النجاح الإخباري - كتب إسماعيل جمعة الريماوي:
رُفعت رايات وقف إطلاق النار، لكن أصوات الحرب لم تغب عن سماء غزة؛ فما زال صداها يتردد بين الركام، وما زال الموت يحوم في الأزقة المهدّمة، وكأنّ الهدنة لم تأتِ إلا لتمنح القتلة استراحة مؤقتة.

منذ اللحظة الأولى لإعلان وقف إطلاق النار، تكررت الخروقات الإسرائيلية وسقط الشهداء والجرحى، فيما لا تزال غزة تبحث عن لحظة أمانٍ غابت عنها منذ زمن. فالهدنة تُغتال في وضح النهار، كما تُغتال أحلام الناس في عودةٍ إلى حياةٍ تشبه الحياة.

في شوارع القطاع، يصطف الفلسطينيون في طوابير طويلة بحثًا عن لقمة تسد الجوع أو جرعة ماء تطفئ العطش. الغذاء شحيح، والماء ملوّث، والكهرباء ترف بعيد، والمساعدات الإنسانية بالكاد تكفي. وسط هذا المشهد القاسي، تفيض القلوب بالغضب والخذلان.

الحرب انتهت على الورق، لكنها ما زالت تواصل فصولها في حياة الناس اليومية، في بيوتهم المهدّمة، وأجسادهم المرهقة، وأحلامهم المكسورة. فبعد أن كان الموت يأتي من السماء، بات يأتي اليوم من الجوع والعطش والمرض واليأس.

الحياة في غزة لم تعد طبيعية، لأنّ الطبيعي فيها بات هو اللاطبيعي. كلما خمد صوت القصف، ارتفع أنين الجوع، وكلما توقفت الصواريخ، اشتعلت معارك البقاء.

اليوم، تبدو غزة اختبارًا قاسيًا لإنسانية العالم. أكثر من مليوني إنسان يعيشون تحت هدنة جائعة، في ظل دمارٍ واسع ووعودٍ دولية لم تتحقق.

ورغم كل هذا الخراب، تبقى غزة صامدة، ترفض الانكسار، تقاتل بصبرها كما قاتلت بصواريخها، وتقاوم بالخبز الجافّ وبالأمل العنيد، لأنها تعرف أنّ من ينجو من الموت ألف مرة لا يمكن أن يُهزم.

غزة لا تحتاج فقط إلى وقف لإطلاق النار، بل إلى وقف للظلم، وإلى حياة تليق بالبشر، وإلى ضمير عالمي لا يكتفي بالمشاهدة. فحتى الهدنة في غزة جائعة، وحتى السلام فيها ما زال محاصرًا.