نابلس - النجاح الإخباري - تشهد الساحة الإسرائيلية جدلاً واسعاً بعد إعلان الكنيست عن طرح مشروع قانون فعلي لفرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية والأغوار، في خطوة تُعدّ الأولى من نوعها منذ عقود نحو ضمّ فعلي للأراضي الفلسطينية المحتلة.
ويُتوقع أن يُعرض المشروع خلال الأسبوع الأخير من أكتوبر 2025 للقراءة التمهيدية في الكنيست، وهو ما يعني الانتقال من مرحلة الاقتراحات الرمزية إلى مسار تشريعي ملزم من ثلاث قراءات ومداولات داخل اللجان المختصة، تمهيداً لتطبيق القانون والقضاء والإدارة الإسرائيلية على المستوطنات والتجمعات اليهودية في الضفة.
يستند مشروع القانون إلى نموذج قانون الجولان لعام 1981، وينص على إلغاء الإدارة المدنية التابعة للجيش الإسرائيلي، واستبدالها بهيئة مدنية إسرائيلية تتولى إدارة شؤون التخطيط والبناء والضرائب والترخيص والخدمات العامة. كما يمنح الحكومة صلاحيات واسعة لإصدار أنظمة انتقالية لضمان تنفيذ القانون بشكل تدريجي ومنظم.
وبحسب النص الرسمي المنشور على موقع الكنيست، فإن القانون لا يغيّر الوضع القانوني للسكان الفلسطينيين في الوقت الراهن، بل يُبقيهم تحت “ترتيبات انتقالية مؤقتة” إلى حين التوصل إلى تسوية نهائية، ما يعني بقاء الغموض بشأن وضعهم المدني والسياسي داخل مناطق الضفة الغربية.
من التصويت الرمزي إلى التشريع الفعلي
تأتي هذه التطورات بعد أن صوّت الكنيست في يوليو الماضي على اقتراح رمزي غير ملزم بعنوان "فرض السيادة الإسرائيلية على يهودا والسامرة والأغوار"، حظي بتأييد 71 نائباً مقابل 13 معارضاً، واعتُبر حينها مؤشراً على تغيّر المزاج السياسي داخل البرلمان تجاه مسألة الضم.
غير أن المشروع الجديد يمثل تحولاً نوعياً، إذ ينقل القضية من خانة التصريحات السياسية إلى مرحلة التشريع الرسمي الملزم، ما قد يفتح الباب أمام تغيير جذري في الوضع القانوني للأراضي الفلسطينية وفق الرؤية الإسرائيلية.
السياق السياسي والمواقف المتباينة
يحظى القانون بدعم قوي من أحزاب اليمين الإسرائيلي، وعلى رأسها الليكود والقوة اليهودية والصهيونية الدينية، التي تعتبر الضم “استحقاقاً وطنياً” يجب استكماله.
في المقابل، حذّرت المعارضة، بما فيها الكتل العربية وحزب “الديمقراطيون”، من أن المشروع يمثّل ضماً فعلياً للأراضي الفلسطينية، وينذر بتصعيد ميداني واسع وبـ عزلة دولية متزايدة لإسرائيل.
ويرى مراقبون أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يحاول الموازنة بين ضغوط اليمين المتطرف من جهة، والعلاقات الحساسة مع الإدارة الأمريكية من جهة أخرى، خاصة بعد أن أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رفضه لأي خطوة إسرائيلية أحادية الجانب في هذا التوقيت.
كما حذّرت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، بقيادة اللواء غسان عليان، من احتمالية تصاعد التوتر في الضفة الغربية إذا تم المضي في المسار التشريعي، معتبرة أن فرض السيادة قد يشعل موجة احتجاجات واسعة.
تصعيد ميداني متزامن في الضفة الغربية
يأتي المسار القانوني متزامناً مع تصعيد ميداني واسع تشهده الضفة الغربية منذ مطلع العام. فقد أقرت الحكومة الإسرائيلية في أغسطس تنفيذ مخطط E1 لبناء نحو 3,400 وحدة استيطانية بين القدس ومستوطنة معاليه أدوميم، وهو المشروع الذي سيقسم الضفة فعلياً إلى شمال وجنوب، ويقوّض التواصل الجغرافي بين المدن الفلسطينية.
ووفق تقارير هيئة مقاومة الجدار والاستيطان والأمم المتحدة، شهد عام 2025 إقامة 49 بؤرة استيطانية جديدة، وإضافة أكثر من 10,000 وحدة سكنية داخل مستوطنات قائمة، إلى جانب 22 مستوطنة جديدة أُقرّت رسمياً، في أكبر موجة توسع استيطاني منذ عقدين.
كما ارتفع عدد الحواجز الإسرائيلية في الضفة إلى نحو 909 حاجزاً، بينها 82 حاجزاً جديداً و88 بوابة حديدية في القدس ومحيطها، تُقيّد حركة الفلسطينيين وتعزل القرى عن مراكز المدن.
انعكاسات محتملة وقراءة مستقبلية
يرى خبراء القانون الدولي أن مشروع القانون الجديد، في حال تمريره، سيشكل سابقة خطيرة في مسار الضم الإسرائيلي الرسمي، ويمنح إسرائيل أداة قانونية داخلية لتكريس سيطرتها على الضفة الغربية.
أما فلسطينياً، فيُنظر إلى هذه الخطوة باعتبارها إعلان نهاية لحل الدولتين، وشرعنة لواقع “الضم الزاحف” الذي يجري على الأرض منذ سنوات.
ورغم أن القانون لم يُقرّ بعد، إلا أن مجرد التصويت عليه بالقراءة التمهيدية سيُعدّ – بحسب محللين – أخطر خطوة تشريعية منذ قانون القدس الموحدة عام 1980، لما يحمله من تداعيات سياسية وقانونية داخلية ودولية.