د. رائد موسى - النجاح الإخباري -  منذ ان ظهرت حركة حماس وبشكل متأخر عن السياق التاريخي والحتمي لظهور حركات التحرر ضد الاحتلال الإسرائيلي، قد بدأت في خطاب سياسي يرفض فكرة المفاوضات مع العدو والتسوية السياسية بالطرق السلمية، حيث ما انفكت في وصف المفاوضات بالعبثية وبان السعي للسلام مع العدو الإسرائيلي هو محض أوهام لا يستحق إضاعة الوقت والجهد في سبيله. 

وهنا رفضت حماس مفاوضات مدريد للسلام، ثم استنكرت اتفاق أوسلو، وبعدها لم تتوقف عن ادانة كل اتفاق عقب أوسلو وكل جولة مفاوضات، وكل ما يتعلق بالتسوية السياسية مع اسرائيل، ولم تمرر حماس حادثة واحدة وآخرها زيارة الرئيس الأمريكي بايدن للمنطقة، الا وقد كررت خطابها واعلانها رفض كل "مشاريع التفاوض والتسوية العبثية، التي جلبت الكوارث على قضيتنا الوطنية"، على حد وصفها. 

بينما وفي الوقت نفسه شاركت حماس بمؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية التي أتت بها المفاوضات ومشاريع التسوية السلمية التي كانت ولا تزال تقول عنها حماس بانها أوهام، والفريد ان هذه الأوهام على حد وصفهم، قد استماتت حماس وفي صراع دموي مع السلطة الوطنية الفلسطينية لانتزاع حصة منها. 

من خلال المشاركة بانتخابات كل هيئاتها، ثم بتنفيذها للانقلاب المسلح الانفصالي في قطاع غزة، وهنا من حقنا ان نسأل حماس ما هي هذه الأوهام التي أتت بها المفاوضات، وتستحق كل هذا الصراع الدموي من أجل الظفر بحصة منه! وبعد ان دخلت حركة حماس السلطة الوطنية الفلسطينية، ومجلسها التشريعي وتشكيلها للحكومة الفلسطينية العاشرة، ومشاركتها في الحكومة الحادية عشر للوحدة الفلسطينية، أصبحت تردد على لسان الكثير من قادتها بأنها لا تمانع من الدخول في مفاوضات مع العدو الاسرائيلي وبنفس الوقت استمرت في استنكار أي مفاوضات او مساعي سلمية تقوم فيها منظمة التحرير. 

وقد كانت ذريعة حماس على لسان أحد قيادييها بجواز المفاوضات لديها واستنكارها على غيرها بان المفاوض الحمساوي "محصن إيمانياً"! أما على أرض الواقع، فلم تضيع حماس أي فرصة لعقد لقاءات سياسية تفاوض فيها على تحسين واقع حكمها لغزة ومكانتها السياسية، مع أي طرف يتاح لها دون قيد أو شرط، بل وتتباهى احيانا بوجود هكذا نوع من الاتصالات والمفاوضات، ثم لتخفف من وطئة كلمة مفاوضات كونها كثيرا ما ألصقت بها تهم الخيانة والتفريط والعبث، خرج احد قادة حماس ليصف مفاوضاتهم مع العدو باسم دردشات من خلال وسطاء، اما الاتفاقات التي تم التوصل اليها اسموها بالتفاهمات، هنا أيضا لا قيمة أو فارق قانوني ابدا لمسمى ما يحصل من مفاوضات، ولا قيمة أو فارق قانوني لكونها مباشرة او غير مباشرة، الفيصل القانوني الذي يمنح الشرعية من عدمها للمفاوضات والمباحثات والدردشات هو التفويض، التفويض القانوني للمفاوض. 

في غيابه يصبح المفاوض مجرد متخابر لا يمثل الا نفسه، وفي هذه الحالة يصبح متهم ويستحق المسائلة، فلا يجوز للفصائل والاحزاب والشركات والمؤسسات والنقابات والعائلات والعشائر والافراد بالتخابر مع العدو بدون تفويض رسمي شرعي بذلك. فالجهة الوحيدة التي يحق لها التواصل والتفاوض مع العدو هي الجهة الرسمية المختصة بذلك والتي تتمثل بمؤسسات وطنية رسمية يمكن مسائلتها والاستفسار منها عن تفاصيل ونتائج تلك المفاوضات. 

في النهاية حماس صدعت رؤوسنا في استنكار المفاوضات، بينما هي أول فصيل فاوض ويفاوض العدو الاسرائيلي بتاريخ الشعب الفلسطيني بدون أي تفويض شرعي بذلك، وبشكل مناقض لدور الفصائل والهدف من وجودها! حماس بينما كانت تصدع رؤوسنا بما أسمته أوهام مكتسبات التسوية والسلام، كانت في الوقت نفسه تحفر الانفاق وتزرع المتفجرات تحت مقرات السلطة الوطنية لتظفر بحصة لها من مكتسبات التسوية ومشروع السلام! اما عن حقيقة الرهان على المفاوضات والأمريكان ومشاريع السلام، فالقاعدة تقول طالما نحن موجودين على أرض فلسطين ونتحدى الاحتلال ونصمد عليها، ونكافح في إعمارها وزراعتها وتطويرها والارتقاء والانتشار عليها، وبناء مستقبل اجيالنا عليها.

لا بد ان نخاطب ونفاوض كل من له علاقة بنا وبقضيتنا من عدو وصديق. فمهما كان عدونا مجرم وكاذب، ومهما كانت الدماء تسيل بيننا، فلا سبيل لبناء مستقبل أفضل لأبنائنا دون التحدث والتفاوض مع اعدائنا، والمفاوضات لم تمنع يوما نضالا أو كفاحا ضد الاحتلال، والمفاوضات لم تجعلنا نضع سلاحنا جانبا ونذهب وايدينا فارغة، فمن لا يملك سلاح بيده لن يفاوضه أحد، ونحن نمتلك سلاح وجودنا وتجذرنا وتمددنا على أرضنا، ونمتلك سلاح عدالة قضيتنا وانحياز العالم لصدق روايتنا، فالسلاح لم يُقتصر يوما على البندقية، فالبندقية بالرغم من أهميتها الا انها حين يكون ميزان جدواها مختل بالآلاف الأضعاف لصالح العدو، تصبح سلاح ذو حدين تؤذينا أضعاف ما يمكن ان تؤذي الاحتلال، لذلك من الواجب علينا البحث عن أسلحة غيرها، من نوع آخر كأسلحة العلم والبناء والاقتصاد والتكنلوجيا والزراعة والطب، وسلاح القوة الجمعية السلمية الحاشدة لشعبنا، والحاشدة للمناصرين من مختلف انحاء العالم. 

 وبالرغم من أهمية التواصل والتفاوض مع كل الأطراف الفاعلة في قضيتنا الا انه حين نسف ترامب أي فرصة للتحاور بسلوكه الأرعن وافكاره الغير مقبولة تجاه الحل، تمت مقاطعته بلا خوف أو تردد، والآن من واجبنا عدم اتخاذ مواقف متشنجة عدمية كالحرد بلا مناورة، وذلك بمنح أمريكا مزيدا من الفرص كي تصحح مسارها الداعم والمتبني لموبقات وجرائم الاحتلال رغم صعوبة ذلك، ولكننا هنا ندرك حاجة أمريكا للعرب في هذه الأيام.

وكما كانت المقاطعة تحتاج الى شجاعة، فأيضا العودة للحديث مع أمريكا بشكل واضح ومباشر وصلب في التأكيد على حقوقنا يحتاج الى شجاعة أيضا، وبكل الأحوال نحن لا نضيع في الوقت انما نستمر في بناء الانسان والمجتمع الفلسطيني ومؤسسات دولته الساعية للاستقلال وتأمين مستقبل أفضل من خلال مراكمة المنجزات مهما صغرت، بدلا من توزيع الشتائم الاستهزاء والبكائيات واستسهال مربع الرفض المانح للبطولات الوهمية العدمية العبثية. 

فكل هوية فلسطينية نحصل عليها هي منجز مهما صغر، ومهما مثل حق طبيعي وقانوني لنا، فالعودة الى الوطن هو حق طبيعي وبديهي لكل انسان على الأرض، بينما هو جوهر صراعنا مع المشروع الصهيوني ومن أصعب معضلات حل الصراع، وكل تسهيل وتطوير وتوسيع في حركة الفلسطيني من والى وطنه وداخل وطنه يمثل نقطة من أهم معضلات صراعنا مع الاحتلال، فثلثي أزماتنا ومعاناتنا مع الاحتلال تكمن في قضية الحركة والتنقل والتي يحرم الاحتلال منها اكثر من ثلث شعبنا المحاصر في غزة والممنوع من الحركة داخل وطنه الا بألف إجراء.

وأيضا تطوير شبكة الاتصالات التكنولوجية، تمثل شكل مهم من أشكال التنمية التي تفتح افاق وفرص عمل جديدة لشبابنا الذي يعاني من أزمة البطالة، فاليوم العمل من خلال شبكات الانترنت فائقة السرعة أصبح سمة من سمات العصر في مختلف انحاء العالم، لذلك على شبابنا التركيز على تعلم علوم الحاسوب والاتصالات واللغات. 

أما من يستهزئ باننا استبدلنا حريتنا واستقلالنا بمكاسب بسيطة هنا وهناك، فأقول له لن ينجح شعبنا بنيل حريته واستقلاله الا بطريقتين، اما حرب ساحقة ماحقة تلقي بإسرائيل في البحر وهذا متعذر في ظل واقع ومعطيات اليوم، واما من خلال الارتقاء والتقدم والتمدد الديمغرافي على أرضنا بالشكل الذي يجبر الاحتلال على الانكفاء والتقوقع داخل حدود محددة مرسومة له أو يجبره على الذوبان والتلاشي وسط أمواج من الفلسطينيين القادمين الى وطنهم بشكل سلمي حر ان كانوا بجوازات سفر عربية أو اجنبية أو أمريكية أو لم شمل، بعد ان تزدهر فلسطين وتصبح جاذبة لأبنائها ومغرية لبناء مستقبل أفضل على أرضها.