خاص - النجاح - وصلت الخلافات الحمساوية الداخلية من الأروقة إلى المنابر الإعلامية، بعدما خرج القيادي واحد أبز مؤسسي الرعيل الأول في الحركة د. أحمد يوسف عن صمته في مقاله الأخير مطالبًا بحل اللجنة الإدارية، وتجنب قطاع غزة ويلات الحصار ومزيدًا من الإجراءات.

يوسف دعا في الوقت ذاته قادة حماس إلى التعامل مع القضية بحكمة أكبر، وتغليب المصلحة العامة على الخاصة، التصريح الأخير له تزامن مع تصريح آخر لمسؤول المكتب السياسي للحركة في غزة يحيى السنوار والذي أشار في لقاء له مع عدد من المفكرين والكتاب والصحافيين إلى استعداده التام لحل اللجنة الإدارية في خمس دقائق اذا حصل على ضمانات من حكومة الوفاق الوطني والرئيس محمود عباس بالتراجع عن الاجراءات التي اتخذت ضد غزة مؤخرًا على حد تعبيره.

 ويرى مراقبون أن هدف حماس هو التخفيف عن أعبائها المالية والتزاماتها تجاه الموظفين الذين تم تعيينهم بعد سيطرتها على القطاع في منتصف عام 2007، ولكن التساؤل الأهم يكمن في أن هل الحركة مستعدة لتسليم كافة الأمور المالية والإدارية في غزة فعليًا؟ و ما هي حقيقة الصراع داخل حماس، وهل هو مجرد خلافات داخلية فقط، أم يمكن ان تتسع في حال تدهورت الأوضاع في القطاع أكثر؟

حقيقة الصراع

وبالإشارة إلى حقيقة الصراع الداخلي في حركة حماس أوضح أستاذ العلوم السياسية في جامعة الأزهر د. ناجي شراب أن الصراع ظاهرة

طبيعية حتى بالنسبة لحركة حماس مشيرًا إلى أنه لا يمكن لحماس أن تكون استثناء، بل هي حركة بشرية يحكمها بشر لهم توجهات وأفكار ورؤى، على الرغم من المرجعية الدينية الثابتة التي تحكم الجميع، ولفت إلى أن الخلاف حقيقي وواقعي، بسبب التحولات في موازين القوى الإقليمية والدولية،ورغبة حماس في أن يكون لها دور فاعل معترف به.

وبين أن الحقيقة التي تنطلق منها هذه الآراء داخل حركة حماس "في اشارة إلى تصريح د. أحمد يوسف"، يعلمون جيدًا أن الذي يملك الشرعية العربية والدولية هو الرئيس محمود عباس والسلطة الفلسطينية وأنه لا يمكن تجاهل الدور الذي تقوم به الرئاسة والسلطة مبينًا أنه من منطلق هذا الرأي ومن نظرة واقعية لا يمكن المفاضلة بين التيار الذي يمثله "دحلان" وبين قوة السلطة التي يمثلها الرئيس محمود عباس.

 وأضاف "التفاهمات التي يدور الحديث عنها لا تحقق لحماس المزيد بمعنى لن تحقق لها القبول والاعتراف والفاعلية على المستوى الشرعي والدولي والاقليمي".

وأشار إلى أن الخلاف واقعي واتضح أكثر عندما عبر عنه رئيس الحركة في غزة يحيى السنوار، بأن حل اللجنة الإدارية يكمن في خمس دقائق، مشيرًا إلى أن هذا الرأي يريد ثمن سياسي، الأمر الذي يعكس أن هناك خلافات داخلية لم تتبلور بعد.

موظفو غزة

وحول التناقض في التصريحات والمواقف داخل الحركة رأى الكاتب والمحلل السياسي المختص في شؤون الحركات الإسلامية د. خالد صافي أن د. أحمد يوسف له نظرة توافقية بهذا الشأن وانه كان دائمًا يدعم باتجاه المصالحة،وإنهاء الإنقسام موضحًا أنه يتمتع برفقة د. غازي حمد برؤية تصالحية ومحاولة التوافق مع القيادة الفلسطينية في رام الله، واصفًا صوتيهما بأنه أكثر اعتدالًا، بخلاف بعض القيادات الأخرى التي تأخذ منحنى التشدد.

وبين أن أكثر من تصريح لحركة حماس عكس موقفهم بأنهم على استعداد لحل اللجنة الإدارية بشرط استيعاب موظفي حركة حماس، والتي تعد قضيتهم المشكلة الرئيسية في هذا الموضوع، وأشار إلى أكثر القيادات تشدُّدًا "استنادًا إلى تصريح البردويل" تقول بأنهم جاهزون لحل اللجنة الإدارية، بشرط تلبية شروطهم، في المقابل أكد الرئيس محمود عباس على أن شروطه الثلاثة تكمن حل اللجنة وتمكين حكومة الوفاق الوطني من أداء مهامها في غزة، وإجراء الانتخابات خلال ستة أشهر، مشيرًا إلى أن طرف يسعى للضغط على الآخر من أجل تحقيق شروطه.

ورأى أن الحل الأمثل يكمن في طرف ثالث مثل ضغط شعبي حقيقي من قبل المؤسسات والفصائل، أو طرف يمتلك القوة لفرض رأيه مثل مصر الذي احتضنت الملف الفلسطيني والمصالحة أو قطر أو تركيا أو جهد عربي قوي، من أجل أن يمارس الضغوط على الطرفين واحداث اختراق في هذا الشأن، بالإضافة إلى ضغط شعبي، وإلا يبقى الملف يراوح مكانه.

الجدير بالذكر أن حركة حماس قامت بتوظيف الآلاف من عناصرها فقط في المؤسسات الحكومية والأمنية، دون الرجوع إلى المؤسسة الرسمية منذ سيطرتها على القطاع في منتصف حزيران/يونيو من العام 2007، وتشترط في كل جولة من جولات المصالحة باعتماد موظفيها ماليا على بنود السلطة الفلسطينية المالية للتخلص من الأعباء التي تحملتها.

التفاهمات الحمساوية الدحلانية

وعن التفاهمات الحمساوية الدحلانية وانعكاساتها على ملف المصالحة الداخلية، رأى د. صافي أن حماس لجأت إليها من ناحية انسانية فقط بعدما مورست عليها ضغوطات من قبل السلطة الفلسطينية، معتقدة أنها تستطيع أن تخرج من أزماتها، وتحسن أوراق المناورة معها بمعنى أنها لن تستجيب للضغوط وتحاول فتح أوراق أخرى، وكأنها ترسل رسائل للرئيس أبو مازن بأن هناك من يحاول أن يفتح علاقات معها برعاية مصرية، من أجل الهروب خطوة للوراء من الضغوطات التي تتعرض لها، وبالتالي تستطيع أن تعمق الإنقسام الفتحاوي الداخلي.

خلافات داخلية

وحول الخلافات الداخلية بين اقطاب الحركة وهل من الممكن أن تتسع في حال تدهورت الأوضاع أكثر في القطاع، أكد د. شراب على أن حماس حركة دينية، تحكمها الثوابت الدينية بشكل كبير، إضافة إلى أن الحكم فيها يتمتع بكثير من الإنضباط المؤسساتي، حيث تعكس قوتها بشكل أكبر من ظاهرة التفرد بالقرار "الشخصانية"، موضحا أنه عندما يستمع الجميع لرأي د. أحمد يوسف أو غيره من التيار الإصلاحي داخل الحركة، يكون مجرد رأي يعبر عن حالة فردية أكثر ما يعكس قرار المؤسسة، على عكس ما يحدث مع الحركات الأخرى الذي مرجعيتها غير دينية، ونوه إلى أن حركة حماس يحكمها الارتباط الأيديولوجي أكثر من القرار الفردي.

صناعة القرار

بينما رأى الخبير في شؤون الحركات الإسلامية د. خالد صافي أن الخلافات بين أقطاب الحركة موجودة أصلًا ومتعمقة في التعاطي مع القضايا، لكنه أوضح أن مركزية القرار هي من تلعب دورًا مهمًا في صنع القرارات، وتساءل هل الدكتور أحمد يوسف يعد من صناع القرار داخل حركة حماس، وبالإجابة على التساؤل، أوضح أن "يوسف" بات خارج إطار المكتب السياسي للحركة، ويعد صوت لا يسمع له كثيرًا في الأوساط الحمساوية، على اعتبار أنه ليس من صناع القرار.

وشدَّد على أن التعاطي مع القضايا الهامة يتطلب تحديدًا الاستماع إلى من هم داخل "أروقة صنع القرار" وأشار إلى أن الحركة تتمتع بمركزية في القرارات رغم ما يصدر عن بعض قادتها "خارج المكتب السياسي" من تغريدات هنا وهناك، وأكد على أن الخلافات لم تكن بالعميقة طالما أن القرار مؤسساتي بامتياز، من قبل المكتب السياسي أو مجلس الشورى.

يُذكر أن حركة حماس شكلت "لجنة ادارية" لإدارة المؤسسات الحكومية في قطاع غزة في شهر مارس من العام الجاري، بعد اتهام حكومة التوافق بعدم القيام بمسؤولياتها اتجاه القطاع، الأمر الذي حذا بالرئيس أبو مازن لاتخاذ جملة من الاجراءات العقابية لثني حماس عن قرارها، فيما تصر الأخيرة على مواصلة اجراءاتها رغم كل العوامل السلبية التي تحيط بالقطاع من فقر مدقع وبطالة وانهيار اقتصادي وصحي واجتماعي وانقطاع متواصل للكهرباء.