خاص - النجاح - شكَّل ما قام به أحد عناصر الجماعات المتطرفة من تفجير نفسه في قوة تابعة للضبط الميداني المنبثقة عن كتائب الشهيد عز الدين القسام، على الحدود الفلسطينية المصرية، هاجسًا لدى الأجهزة الأمنية والفصائل الفلسطينية في قطاع غزة، حيث يعد تطورًا خطيرًا من نوعه بعد الصراع المرير بين حركة حماس وأجهزتها الأمنية، مع الجماعات التكفيرية التي تحمل الفكر اليميني المتطرف، والتي تنتمي باطنيًا إلى تنظيم الدولة "داعش" وتتخذ من جبال سيناء مقرًا لها وتقوم بتنفيذ عملياتها العسكرية ضد عناصر الشرطة والجيش المصري، فبالرغم من محاولات حماس التقليل مما حدث، والتعامل مع الأمر إعلاميًا على أنه حدث فردي، إلا أن ما ترشح من معلومات متصلة بالجماعات التي ينشط المئات من عناصرها في غزة، غير ذلك تمامًا، مؤكدين على أنها بداية الحرب الحقيقية مع الحركة التي قامت منذ سنوات باعتقال وتعذيب واعدام عدد من أفراد التنظيم المتطرف.

اسباب وجودها

البداية كانت في مدينة رفح عندما انضم مجموعة من الشباب إلى الشيخ العلامة، د. عبد اللطيف موسى، الذي يعتبرونه أحد أهم المراجع الدينية لهم، والتزموا حوله، وقام بتشكيل خلايا مسلحة كانوا يتلقون التدريبات في غزة وسيناء ويتنقلون عبر الأنفاق، إلى أن أعلن دولة الخلافة المزعومة في أكناف بيت المقدس خلال خطبة الجمعة، في الرابع عشر من آب/أغسطس عام 2009، وقامت على أثرها الأجهزة الأمنية في غزة بمحاصرته في مسجد ابن تيمية يوم السبت بتاريخ الخامس عشر من آب/أغسطس عام 2009، وقضت عليه ومعه مجموعة من أنصاره، فيما اعتقلت من بقيَ على قيد الحياة.

تحت غطاء مقاومة الاحتلال، عاد التنظيم إلى تجميع خلاياه، وبنائها من جديد، ونشط أكثر ابان ثورة يناير المصرية، و لعب دورًا مميزًا في عمليات نقل الأسلحة وبيعها إلى التنظيمات الفلسطينية المسلحة، اضافة إلى تفاهمات بين الأطراف، أفضت إلى تبادل التدريبات والخبرات في عهد الرئيس المصري المخلوع، محمد مرسي، الأمر الذي حصلوا من خلاله على الضوء الأخضر لممارسة عملهم في قطاع غزة، بمسميات مختلفة.

ونشط خلالها احد قيادات الجماعة "ممتاز دغمش"، الذي كان محسوبا على تنظيم لجان المقاومة الشعبية، وانفصل عنها وبرفقته المئات ليشكل تنظيمًا جديدًا أطلق عليه اسم "جيش الإسلام"، ووفق التقارير الإعلامية أعلن فيما بعد ولائه الكامل وبيعته إلى تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" في أكناف بيت المقدس، الذي يتخذ من سيناء مقرًا له.

وشهدت السبع سنوات الماضية عمليات اطلاق نار واشتباكات بين افراد التنظيم وعناصر الأمن في غزة نتيجة قيام أفراد التنظيم بعمليات قتل أبرزها قتل المتضامن الإيطالي الذي عاش في غزة "فيتوريو"، وقتل أحد النشطاء المسيحيين، ومهاجمتهم لعدد من الشباب بدعوى أنهم اعتنقوا المذهب الشيعي، واختراقهم للهدنة بين حركة حماس والاحتلال وقيامهم بإطلاق الصواريخ تجاه البلدات المحتلة، فضلًا عن اشتراك بعض العناصر في التفجيرات والهجوم على مقرات الشرطة والجيش المصري في العريش وسيناء، وزرع عبوات لقيادات من حركة حماس وحرق سياراتهم وتفجير أبواب بعض المحال التجارية "الصالونات النسائية" واستديوهات التصوير، الأمر الذي اعتبره حركة حماس بأنه بات يشكل وجودهم خطرًا حقيقيًا وبدأت بملاحقتهم، واعتقال عدد كبير منهم ومطاردة الآخرين وهروبهم وتنقلهم سرًا عبر الأنفاق بين غزة وسيناء.

الفراغ المطلق

فيما رأى المختص في تاريخ الحركات الإسلامية د. ناصر اليافاوي أن أسباب وجود وخلق الفكر المتطرف للجماعات الإسلامية يعود إلى سوء الأوضاع الاقتصادية، والإجتماعية، والفراغ المطلق الذي يعاني منه الشباب في ظل انتشار الفقر المدقع في قطاع غزة، واهمال الشباب بالوظائف ودورهم بشكل واضح، واتخاذ التعينات للطابع الحزبي بعد سيطرة حركة حماس على القطاع بعد منتصف حزيران/يونيو عام 2006، مبينًا أن تلك الأمور خلقت مسارين أولهما، قضايا التعصب للفكر الرياضي، وقضاء معظم الأوقات في المقاهي، وهي فئة من حالفهم الحظ في العمل ولو بأجر بسيط، فيما ارتكز المسار الثاني في التوجه نحو الفكر التطرفي.

وأشار في تحليل خاص لـ"النجاح الإخباري" أن معظم من اعتنق الفكر المتطرف فئة من الشباب همشت تمامًا من دعم المؤسسات والوظائف والدمج المجتمعي، إضافة إلى العلاج الأمني الذي قامت به أجهزة الأمن في غزة منذ بزوغ هذه الظاهرة، وممارسته عليهم خلال الاعتقال والاحتجاز.

العلاج الخاطئ

واوضح أن انعكاسات المعاملة الأمنية لهم دفعت عدد كبير منهم إلى اعتناق الفكر المتشدد، نتيجة تأثر الشباب بغيرهم من في العراق واليمن وسورية، وتأثرهم بالفيديوهات التي تداولتها الجماعات المتطرفة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وأثرت بشكل كبير على انحراف فكرهم نتيجة سوء المعاملة وعدم توفر المعالجة الدينية والمجتمعية السليمة، مركزًا على أن أحد أهم الأسباب هو وجود الفراغ في حياتهم، خصوصًا بعد عدم الجدوى من الإلتحاق بوظيفة أو خلق فرص استثمارية لايوائهم بعد التخرج من الجامعات، وانعدام أفق المستقبل أمامهم، فضلا عن اغلاق الحدود وعدم تمكنهم من السفر، معللًا أن الفقر والعيش في أزقة المخيمات مع انعدام الفرص والمستقبل خلق لدى البعض منهم حالة من التطرف الفكري المتشدد، والذهاب نحو المصير المجهول، معتقدين أنه الباب الوحيد الذي قد يجدون من خلاله ما حرموا منه، بعد استماعهم ومشاهداتهم لتسجيلات صوتية أو مرئية بثت عبر مواقع السوشيال ميديا، اعتقدوا أنه من خلالها قد توفر لهم حياة كريمة وعادلة في توزيع الثروات.

وبيَّن أن بيئة الفقر الذي خرج منها الشبان الثلاثة، المتطرف الذي فجر نفسه مصطفى كلاب وزميله المعتقلين محمد أبو عمرة وأكرم ابو شاويش، اضافة إلى تأثرهم بالأخ الأكبر لكلاب الذي انضم إلى صفوف "داعش" في سورية، كان له الأثر الكبير في تحريضهم على التطرف أكثر والعنف، واعتبر أن آلية العلاج لمثل فئة الشباب المتطرف تكمن في التعبئة الدينية والفكرية السليمة من قبل مختصين، وثنيهم بالإقناع من أجل العدول والتراجع عن موقفهم وفهم للدين بالشكل الصحيح والسليم، ودعا إلى معالجة الأمر جذريًا بحجب المواقع التابعة للجماعات التكفيرية التي تبث السموم الفكرية التطرفية، كأولى طرق العلاج.

الأبعاد والتداعيات

وحول الأبعاد والتداعيات والآثار عن عملية رفح الحدودية التي قام خلالها أحد من يحملون الفكر المتطرف بتفجير نفسه في قوة من الأمن خلال منعه مغادرة القطاع للالتحاق بالتنظيم في شمال سيناء، أكد على أنها خطيرة، وقد تؤدي إلى "موصلة" غزة، "أي محاولة نقل التنظيم لتجربة الموصل العراقية في غزة"، ومنح الإحتلال والمجتمع الدولي ذريعة للتعامل مع قطاع غزة على أنه كيان ارهابي، وأشار إلى أنه منذ القرن السادس الميلادي لم يحدث أن قام شاب بتفجير نفسه في مجموعة داخل قطاع غزة، معتبرًا أنها خرجت عن تاريخ تراث غزة، رغم الأحداث التي مرت بها المدينة عبر عقود، وحذَّر من تكرار الأمر اذا لم يتم معالجته بالطريقة السليمة، كما حذَّر من تطوره واتخاذه لأبعاد أخرى أكثر تصاعدًا.

حرب أهلية

واستبعد فكرة اندلاع حرب أهلية، واكتفى بأنها الشرارة والرسالة الأولى التي توجهها الجماعات المتطرفة لحكومة الأمر الواقع في غزة، معتبرًا أن التحول من الصراع السياسي والفكري إلى قضايا تفجيرية يعد منحنى خطير جدًا، إضافة إلى التخوف الأكبر من استهداف التجمعات الأمنية، وخلق حالة من الهلع والخوف في الشارع الغزي، اذا ما تطور الأمر إلى اقتحام المقاهي، وتفجير صالونات السيدات، والأفراح الشعبية، التي تعتبرها تلك الجماعات من المحرمات.

المعالجة

وركز في تحليله لمعالجة القضية، بضرورة احتواء الشباب أصحاب الفكر المتطرف ومعالجتها دينيا ومجتمعيا بالطرق التي تستوجب مواجهتها بالفكر الإسلامي الوسطي، عبر أناس مختصين في الشريعة الاسلامية والمواجهة بأكثر عمقًا، وأضاف، أنه يجب على حركة حماس اعادة النظر في فلسفة التنشئة التربوية، والمناهج، بدءًا من رياض الأطفال وحتى الجامعات، عبر منظومة متكاملة من العوامل الدينية والفكرية والاقتصادية والتعليمية.

يُذكر أن انتحاري يدعى مصطفى كلاب، ينتمي للجماعات المتطرفة فجر نفسه في قوة أمنية كانت تحرس الحدود الفلسطينية المصرية بعد محاولتها لمنعه من العبور إلى سيناء وأدت العملية إلى مقتله واستشهاد ضابط أمن واصابة ستة آخرين، فيما القي القبض على إثنين من رفاقه.