رحمة خالد - النجاح - تتجول بين المارة في دروبك فتستغرب من عشرينية بدت وكأنها في مقتبل عقدها الأربعين فبشرتها لم تعد في ريعان شبابها، وأخرى حدثتنا عن حروق أصابت يديها وقدميها إثر استخدام مرطب للبشرة، فهل سيكون هوس استخدام الفتيات لمساحيق التجميل السبيل المؤدي لجمال سام وضحية لأثمان بخسة جراء استخدام منتجات تقليدية لا تتناسب مع كل الشروط والمواصفات الآمنة؟.

ربما وصلنا لحدِ نكون فيه حقل تجارب لمستحضراتِ كان من المفترض أن يتم اختبارها على فئران مخبريَة ، هي الأخرى لا تتقبّل سمومها المتخفية بداخلها.

إجراءاتٌ قانونية ولكن؟

أمَا من حيث الإجراءات التي من الأصل أن تمرَ بها مستحضرات التَجميل  تصل غاية التعقيد أحيانا، فيقول غيث الأدهم أحد المختصين للبيع في  هذا المجال " يتم اختبار المنتجات طبياَ قبل عرضها في السوق، حيث تستورد الشركة الوكيل المستحضرات التجميلية وتعرضها على وزارة الصحة كي يتم الترخيص والمصادقة عليها لتصبح جاهزة للبيع".

ويضيف الأدهم "بعض المنتجات تستغرق وقتاَ طويلاَ أثناء فحصها، وقد استغرق آخر منتج بالاختبار أربعة أشهر حتى تمت الموافقة عليه ، وتذهب في كثيرِ من الأحيان عينات لإسرائيل".

ويضيف رائد الشكعة وهو صاحب مؤسسة لبيع المستحضرات التجميلية  "الوصول لمرحلة بيع هذه المنتجات ليس بالأمر السهل كما يظنَ الكثيرون ، فقد تتولى الوكالة إجراءات ترخيص المنتجات في وزارة الصحة، وتقوم وزارة الاقتصاد بدوريَات شهريَة على مراكزنا لفحص تواريخ كافة المنتجات المتوافرة لدينا".

ومن الجدير ذكره أنّ المستحضرات الأصلية لا يسمح لها بدخول الوكالات الاسرائيلية ومراكز البيع دون عرضها على مؤسسة لفحص المنتجات قبل دخولها المعابر وبناءَ عليه قد تعطى شهادة، نسبة للمؤسسة.

وتلك الشهادة تتضمن في فحواها أيَ منتجٍ يمكن أن يؤذي الإنسان ويسبب له الخطر.

ويقول أدهم جبر مسؤول دائرة الترخيص في وزارة الصحة " ترخيص مراكز البيع لتلك المستحضرات يتطلب من المعنيين تقديم معاملة الترخيص لدى الدائرة وبعد سير الإجراءات نتفحص المكان والبناء من النواحي الصحية والمهنية "، ويضيف "مهمة طبيب بلدية محافظة نابلس التابع للدائرة  العمل في إجراءات الترخيص دون فحص المنتجات نفسها لأنه لا يدخل ذلك ضمن نطاق صلاحياته ، بل  مهمتة التأكد وفحص صحَة المكان ومراكز البيع".

فتعاني الإجراءات شرخاَ كبيرا بين التشريع والتطبيق لتصبح عمامة تتخفى بداخلها التجاوزات والمخالفات دون رقيب أو أيَ ضمير محاسب ،حيث تباع المنتجات التقليدية التي تتعدد مصادرها بين صناعات محليّة أو بضائع مهرَبة أو ما يسمى ببضائع الشّنطة السّوداء ( وهي البضائع التي يتم احضارها من الخارج  داخل حقائب المسافرين).

وعندما سألت أحد مؤسسات بيع مستحضرات التجميل  في محافظة نابلس والتي تحتوي منتجات  تقليدية حول آلية هذه الإجراءات فقد اكتفت بإجابة قصيرة ، فقال أحد الباعة دون أن يفصح لي عن اسمه  والتوتر يتخلل معالم وجهه " وزارة الصحة تأتي دائما لفحص المنتجات " ، ولم يلبث أن يكمل  حديثه حتى توجه لبائع آخر بسؤاله " من قدم إلينا قبل عشرة أيام ؟؟ " ، فأجابه بغرابة من ؟؟! فأجاب وزارة الصحة ،وقد أدرك الآخر سؤاله بعد حين وهز رأسه  قائلا : "صحيح كانت وزارة الصحة في مؤسستنا  قبل عشرة أيام".

وعند الاستفسار عن سبب زهد ثمن الكثير من المستحضرات مقابل مثيلاتها بأسعار تصل سعر تلك المتجات بأضغاف الأضعاف، أجاب البائع "أخذت كمية كبيرة من الشركة المورّدة حيث حددت أسعار لها ،لكنني أبيع بالأسعار التي أريدها ولا تتحكم الشركة بتلك المسألة".

وقد لاحظت منتجاً وضع عليه السعر الأصلي 90 شيقلاَ ويبيعه البائع فقط ب35 شيقلاً، وهذا ما يرفض العقل البشري السليم  استيعابه، ونفى الكثيرون في هذا المجال آلية وضع الأسعار تلك بحيث أنها لا تتدخل بالكمية.

جمالٌ سامَ!

وتحذَر أخصائية البشرة هبة أبو زهرة من استخدام مستحضرات التجميل التقليدية فتقول " تبقى مسامات البشرة الداخلية مغلقة تماماً دون دخول أيَة شوائب أو أن يحدث أيَ تلف واضطرابات جلديَة ، حتى يتم استخدام مستحضرات التجميل التقليدية خاصة من قبل الفتيات في المرحلة الثانوية والجامعية على الأكثر لزهد أثمانها فتبدأ من هنا رحلة المآساة للكثيرات".

وتضيف خبيرة التجميل الشابة مجدولين شاهد " هناك من تفضّل هذا المكياج الرخيص لأنه بإمكانها أن تبدله بإستمرار بأرخص الأثمان، وهناك من تفضّل الإستثمار في المكياج الباهظ الثمن لأنه صحي لبشرتها، وضرر الأنواع المقلّدة من المكياج قد لا يظهر في نفس اللحظة على البشرة فيكمن الضرر بإمكان دخول هذه السموم لمجرى الدم وتراكمها في الجسم مع الوقت مما يسرع من ظهور التجاعيد ويتسبب بإحداث خلل في التوازن الهرموني والعديد من الاضطرابات في الجهاز المناعي والتناسلي والعصبي والإكتئاب أيضاً".

وتعدّ معادن الرّصاص والزرنيخ والكادميوم والزئبق من أخطر المواد السامة التي تحتويها كافة مستحضرات التجميل التقليدية، بحيث يكمن الخطر بأنها تتواجد فيها بأعلى من النسب المسموح بها عالمياً ويتم استخدام مواداً محرَمة دوليَا.

ومن الجدير ذكره أنَ الفترة الزمنية للتعرض لتلك المنتجات تلعب دوراً فاعلاً في كمية الخطر والأضرار وهي علاقة طردية بين فترة التعرض والخطر.   

وعندما سألت الفتيات عن تجاربهنَ مع المنتجات المقلَدة صغرت الكلمات لوصف الأمر الكارثي وغياب الرقيب ووصف سوق سوداء في وضح النهار، فتقول منال درويش من محافظة رام الله " اشتريت كريم للبشرة   " من أحد محال التجميل وبعد ثلاث مرات من استعماله شعرت وكأنني أضع زيتا على وجهي من شدة غليانه كاد أن يحرقني"، وتواصل منال حديثها "لم أعد أثق بتلك المنتجات خاصّة بعد أن جربت الكريم نفسه لكن الأصلي  ودون أي آثار جانبيَة".

أمَا منى غانم قضاء نابلس فتخبرنا عن أحد تجاربها فتقول بنبرة افتقدت الثقة بتلك المنتجات وأجابت ساخرة متسائلة "واقي الشمس للوقاية من الشمس أم لاستقطابها؟! استخدمت واقي شمس على ذمة البائع بأنه أصلي لكنه حول لون بشرتي للأغمقّ".

حقائق كارثية..

لقد أشارت الإحصاءات على أنّ ما يقارب 1047حالة تسمم ناجمة عن استخدام مواد تجميل تقليدية خلال السنوات الأخيرة ، ويكون ذلك من خلال ما يسمى  بالسميَة الجهازية وهي وصول السم للدم بعد مدَة من الاستخدام.

أثناء مسحٍ لوكالة الأغذية والعقاقير الأمريكيَة من كما تبيَن أنَ 35% مستحضرات تفتيح البشرة تحتوي على مادة الزئبق والتي تلحق أضراراً جسيمة بالجلد.

ومن أخطر المعادن انتشارًاَ وسميَة هما معدنا الرصاص والزئبق، حيث يأخذان مكانة مميزة داخل المستحضرات التقليدية ، فقد وجد في البودرة التجميلية المضغوطة نسبة رصاص تفوق الحد المسموح به عالمياً وهي أيضا ملوثة بالبكتيريا والجراثيم، وغيرها الكثير من المنتجات التي تحتوي على معدن الرصاص.

أمَا معدن الزئبق لا يسمح بأن تزيد نسبته على 3 مايكرو جرام ،في حين وجد أنَ نسبتها داخل تكوين الستحضرات المقلَدة تصل ما بين خمسة آلاف حتى ستة عشر ألفاً  مايكرو جرام.

حرام تباع أساساً !! فهي تخلق تشوهات!!"

"فيرآند لفلي" !! لا أحضره فهو يحتوي على الزئبق ومضر جداً

هذا لسان حال مراكز بيع المستحضرات الأصلية حينما سألتها عن المنتجين التقليديين  الأكثر خطورة وهما " ديرما كول " ،"فيرآند لفلي" ، أما عندما سألت المراكز التقليدية عنهما لم أسمع التعبير ذاته بل تحوّل لمدح وتشجيع على تلك المنتجات حيث أحضر لي أحدهم عينتين من مستحضر ديرما كول وقال " لديك مستحضرين أحدهما مقلّد والآخر أصلي ، وأنا لا أملك سوى عينة واحدة من المقلّد لأري الزبائن أنّني لا أبيعهم منتجاً غير أصلي".

وفي ذات السياق تذكر الصيدلانية تسنيم عصيدة " معرفة إذا ما كان المنتج أصليّاً أو تقليديّاً يكون فقط من خلال فحص الباركود للمنتجات عبر استخدام جهاز خاص للكشف عن ذلك ".

وتضيف عصيدة " من السهل أن يستمرّ تجار المستحضرات التقليدية  بخداع زبائنهم لأنّهم يعلمون أنّهم لا يقدرون الكشف عن المنتجات وفحصها".

فلو أعدنا الحسابات لأدركنا مرة أخرى حجم الخطورة والمصيبة  التي تتغلغل في أسواقنا الفلسطينية دون رقيب ولا زاجر.