مهند ذويب - النجاح - في مَشهدٍ يبدو مقتطعًا من التّغريبة الفلسطينيّة، أو من إحدى روايات غسان كنفاني - ربّما أمّ سعد -، تنتشِر الخيامُ على الحدود الشّماليّة للقطاع لليومِ الخامس على التّوالي، ويبدو أنّ غزّة قرّرت أن تعودَ إلى الخيامِ من جديد، بعدَ نحو 70 عامًا من تشرّد أجدادهم في الخيام، وتطوّرهم إلى الصّفيح، فالطينِ، فالبيوتِ المتلاصِقة، وقرّروا أيضًا أن لا يستمعوا لـ(أبو صالح)، وأن يأخذوا كلّ ما يستَطيعونَ حملهم في رحلةٍ عبر الزّمن لكتابة التاريخ مِن جديد. 

ارتبطت الخِيام بشكلٍ متلاصِقٍ بالفلسطينيين، منذُ أيامِ النّكبة الأولى، مرورًا بالنّكسة، فمبعدي مرجِ الزّهور، فقرية بابِ الشّمس، ووصولًا إلى مسيراتِ العودة الكبرى في يوم الأرض الخالد، هذه المسيراتُ التي استطاعت أن تقول لا لمحاولة ترامب إزالة قضيّة اللاجئين عن الطاوِلة - على حدّ تعبيره - بوقف الدّعم عن الأنروا، وأن تعيدَ هذه القضيّة إلى الواجهة الدّوليّة، والعربية، وتقول: لا تَنازُل عن حقّ العودة المقدّس. 

الفلسطينيون في غزّة كبارًا وصغارًا، ذكورًا وإناثًا حملوا مفاتيح العودة وتوجّهوا للخيام، وبدؤوا يمارسونَ حياتَهم بشكلٍ عاديّ فيها، فالأمّهاتُ يخبزنَ على الصّفيح والصاج خبز (الشّراك)، ويعددن وجباتِ الطّعام، والأطفال يجوبون الشّوارع باحثينَ عن الإطارات، والمرايا؛ كسلاحٍ في مواجهة قناصة الاحتلال الذينَ يخافونَ من الحَقّ الفلسطيني، ومن التاريخ، والجغرافيا التي يعرفها الفلسطينيون جيّدًا، محضّرينَ لمواجهات الجُمعة القادِمة، بعدَ جمعة دامية ارتقى فيها 17 شهيدًا، وجرح المئات؛ لكنّ هذا لم يكن إلّا ليزيدهم قوّة وعزيمة.

وكانَ مئات العاملين والمتطوعين المزودين بجرافات وآليات خفيفة انتهوا الأسبوع الماضي من إقامة خمسة مخيّمات، على الحدود الشّرقية للقطاع، ويضمّ كلّ مخيم من هذه المخيمات خيمتين كبيرتين إحداها للنّساء والأطفال، وتمّ تزويد الخيمتين بالفراش والأغطية، إلى جانب نحو مئة خيمة صغيرة  في كلّ مخيّم، وأقام المنظّمون ثلاثينَ دورة للمياه وحمامات في كل مخيّم، وزوّد كلّ مخيم بمولّد كهربائي كبير، وخزانات مياه للشّرب والغسيل، كما جهزت غرفة للدّفاع المدني والإطفائيّة، وخيمة مخصّصة للفريق الطّبي، وأخرى لتقديم الخَدمات والطّعام.