نابلس - أشرف العجرمي - النجاح - من الطبيعي أن تشهد الساحة الفلسطينية مناكفات سياسية وخلافات ومحاولات من كل الأطراف المتنافسة على الرأي العام لتسويق نفسها وروايتها، وانتقاد الطرف الآخر والسعي لإضعافه. ولكن غير الطبيعي أبداً أن نمس الرموز والإنجازات الوطنية أو نعمل على تسخيفها والاستهزاء بها. وحتى ندخل في صلب الموضوع بدأت في اليومين الماضيين حملة تشكيك وتسخيف في مناسبة عيد الاستقلال، وخصوصاً من جانب بعض الكتاب المحسوبين على حركة «حماس»، والذين وصفوا يوم الاستقلال بأنه «يوم الخيبة» و «يوم العار» و «يوم البيع والتفريط والتنازل عن فلسطين». والبعض حتى استهجن أن يُمنح الموظفون إجازة في هذا اليوم.
      وقد يكون من المفيد هنا العودة قليلاً إلى الوراء للماضي غير البعيد لإلقاء الضوء على ملابسات وظروف إعلان الاستقلال وجدواه من عدمه، ليس من باب المناكفة السياسية ولكن من باب التبصر في واقعنا المتآكل تحت سيل من الشعارات التي «لا تسمن ولا تغني من جوع». فإعلان الاستقلال حقيقة كان النتيجة الأهم للانتفاضة الشعبية العظيمة الأولى، التي رفعت شعاراً واحداً أجمع عليه الشعب وتبنته القيادة وهو شعار «الحرية والاستقلال»، وكانت الأرض المحتلة تنتفض للمطالبة بزوال الاحتلال الإسرائيلي عن الأراضي المحتلة منذ عام 1967 وإقامة دولة فلسطينية مستقلة على كامل هذه الأراضي وعاصمتها القدس الشرقية. والجماهير هي التي اشتقت الشعار ولم يأتِ إليها مستورداً.
       وفي الدورة التاسعة عشرة للمجلس الوطني التي انعقدت في الجزائر في العام 1988، تم اعلان الاستقلال الذي لقي تأييداً وترحيباً شعبياً منقطع النظيرـ وكان لوثيقة الاستقلال التي صاغها الشاعر الكبير الراحل محمود درويش وقع السحر على قلوب الفلسطينيين وكل محبي فلسطين في العالم. والنتيجة الفورية لإعلان الاستقلال وبرنامج السلام الفلسطيني كانت اعتراف 80 دولة في الأمم المتحدة بدولة فلسطين وفي العام الذي تلاه ازداد الرقم إلى 94 دولة. ثم توالت الاعترافات والإنجازات السياسية حتى وصل عدد الدول التي اعترفت بدولة فلسطين  إلى 137 دولة والتي رفعت مكانتها إلى «دولة مراقبة» في عام 2012 بتصويت 138 دولة ضد 9 دول عارضت القرار. وحصلت فلسطين على إنجازات عديدة في كل المنظمات التابعة للأمم المتحدة مثل مجلس حقوق الإنسان واليونسكو وغيرها التي انتصرت للحق الفلسطيني وللقدس ولتاريخنا في هذه البلاد. وبالتأكيد حصلنا على عشرات القرارات  في مجلس الأمن تأييداً لحقوقنا وآخرها القرار 2334 في العام 2016 والذي يميز بشكل قاطع بين أراضي دولة فلسطين المحتلة في عام 1967 وبين إسرائيل، ويعتبر كل ما تقوم به إسرائيل في هذه الأراضي غير شرعي ومناقضاً للقانون الدولي.
      يمكن الحديث بلا نهاية عن الإنجازات الدبلوماسية الفلسطينية، وعدم تحقيقنا حلم الدولة يرتبط بعوامل كثيرة منها محلية وإقليمية ودولية. لا علاقة لها بالاتهامات التي تُكال لإعلان الاستقلال. وللحقيقة نحن وخاصة القوى المتصارعة نتحمل مسؤولية كبيرة في عدم التقدم نحو إنجاز الاستقلال. وعلى وجه الخصوص الانقسام المدمر الذي أضعف الكيانية الفلسطينية الوليدة، وإذا ما استمر سيحطم تماماً فكرة الدولة الفلسطينية. وقبل أن نهاجم هذا الإنجاز التاريخي المهم في الطريق نحو تكريس حق تقرير المصير والدولة المستقلة علينا أن نحاسب أنفسنا على هذا التخريب الكارثي في مسيرة شعبنا الكفاحية التي دفع فيها ثمناً باهظاً من أجل حريته وكرامته.
       أما الادعاء بأن إعلان الاستقلال على قسم من أرض فلسطين هو تفريط وخيانة، فلينظر كل أصحاب هذا الموقف إلى أنفسهم وليقيموا مواقفهم والإنجازات التي حققوها لدعم أفكارهم، وهل هم قريبون من الأهداف الكبرى غير الواقعية التي يدعون إليها في الوقت الذي تنحصر مطالبات معظم القوى بأقل بكثير حتى من حلم الدولة في حدود الرابع من حزيران من العام 1967. فما أشطر هؤلاء في رفع الشعارات القصوى، وعند الجد نرى مطالب صغيرة لا تُذكر بعضها يتعلق بالمال والتسهيلات والسلطة.
       لا معنى لمهاجمة إعلان الاستقلال في وقت تحاول فيه «حماس» الحصول على شرعية محلياً وإقليمياً ودولياً من خلال تبنّي برنامج منظمة التحرير حتى لو كان باعتماد طريق المراحل. فهي وافقت عام 2017 على إقامة دولة فلسطينية على حدود العام 1967 وعاصمتها القدس، وأصبحت بذلك مثلها مثل فصائل منظمة التحرير مع فارق واحد أنها لا تعترف بإسرائيل كما فعلت المنظمة. ولكن فكرة القبول بدولة على جزء من أراضي فلسطين التاريخية تمثل خطوة مهمة إلى الأمام نحو تجسيد الاستقلال الذي لن يتم إلا بقرار دولي كما أقيمت إسرائيل وحصلت النكبة أيضاً بقرار دولي.
       إعلان الاستقلال لا يعني أبداً الانتظار حتى يقرر العالم إجبار إسرائيل على الانسحاب من الأراضي المحتلة وقيام الدولة الفلسطينية، بل يعني تحديد وجهة وهدف النضال الوطني نحو إنجاز هذا الحلم الذي تجسد جزئياً على أرض الواقع. ويعني أيضاً تكثيف النضال لخلق عوامل التغيير في القرار الدولي والقرار الإسرائيلي. وهذا لا يتم أبداً بالشعارات بل بالنضال على الأرض وفي مختلف الميادين والساحات والمراكمة على ما حصلنا عليه من إنجازات على الساحة الدولية.