رامي مهداوي - النجاح - عندما قرأت رسالتكم الموجهة إلى أسرة جامعة بيرزيت في أول يوم دوام لكم كرئيس لها؛ أصابتني قشعريرة الحب والانتماء لمعهد العلم المفدى، وأيضاً وجدت خلف كلمات الرسالة صدق مشاعركم وعزيمتكم العالية بالتغيير والنهوض بكل مكونات الجامعة.

في البداية، اسمح لي أن أقول، كان الله في عونك في هذه المهمة الجديدة في ظل ظروف معقدة تعصف بالفسيفساء الفلسطينية؛ ما يجعل جامعة بيرزيت تتأثر وتؤثر على الصعيد القيمي والإنتاج المعرفي من جهة والممارسة اليومية بكافة أشكالها النضالية والأكاديمية من جهة أخرى.

أسعدتني أولى خطواتكم بضخ الدماء الشابة في العديد من المواقع الأكاديمية والإدارية، لأن ما ينتظرك بحاجة الى فريق بكامل لياقته الفكرية جاهز للعمل رغم كل الصعوبات والتحديات. لهذا، التغيير والاستنهاض يجب ألا يكون فقط في المواقع والأشخاص وإنما أيضاً بالأدوات والمحتوى وتجديد النصوص، كل حسب اختصاصه، وإغلاق تخصصات وفتح آفاق جديدة، وتعزيز النشاط البحثي وتفعيله. وإضافة مضامين جديدة وعدم التقوقع في تابوهات المجتمع والدين.

دكتورنا العزيز، أمامك تحديات يومية وإستراتيجية، فجامعة بيرزيت كأي جامعة في العالم تقدم العلم كما هو موجود في كلية «كنيون» أو جامعة «جورج تاون»، لكن ما تقدمه بيرزيت ولا تقدمه شقيقاتها الجامعات بأنها تقدم بالإضافة للشهادة الأكاديمية شهادة بناء الشخصية والكارزماتية القيادية بمختلف أشكالها ومواقعها، وكما قالها لي زميلك المرحوم مُعلمي البرت أغازريات «بيرزيت بتبني الطالب مش بس بتعلمه».

وذلك ما يجب إعادته لبيرزيت من خلال خلق الفضاء الديمقراطي الليبرالي العلماني من مكتب حضرتكم الى غرفة الحرس المتواجدة على مدخل الجامعة، وهذا بحاجة الى جهد كبير ما بين الإدارة نفسها وما بينها وبين الهيئة التدريسية وجميع العاملين والأهم مع أبنائك طلبة الجامعة.

ملفات وقضايا إستراتيجية أمامك، تم حل جزء منها بشكل مسكنات ولم يتم علاجها بشكل جذري، لهذا أنصحك التعامل مع كل ما هو مؤجل حتى تقوم بتفكيك الألغام المختلفة قبل فوات الأوان، والاستماع لكل منظومة الجامعة، فقبطان السفينة لا يسيطر على الرياح إلا من خلال إعداده وتحضيره للأشرِعة.

ازداد التعليم العالي ابتعاداً عن متناول الفقراء وحتى الطبقة المتوسطة التي تتآكل، ما يزيد في تدهور التماسك الاجتماعي ويتسبب بتفاقم التفاوت الاقتصادي. وقد تسارعت زيادة الأقساط في العديد من الجامعات الفلسطينية في السنوات الأخيرة. وكل هذا يضع الجامعة في خطر داهم بأن تصبح نخبة اقتصادية رأسمالية أكثر منه نخبة فكرية، وهذا تهديد أساسي لروح وقلب بيرزيت.

يجب إعادة إحياء بيرزيت خارج أسوارها، وبناء الجسور مع مختلف القطاعات والهيئات والمؤسسات المحلية والدولية، والاشتباك الفكري مع المحيط، وقيادة العديد من الأعمال والأنشطة اللامنهجية والوطنية التي كانت جامعة بيرزيت بصدارتها بجدارة.

لكن من أجل النهوض بهذه المهمة على أكمل وجه، يجب أن تنظر إلى الداخل. عليك أن تجعل مكان العمل أفضل وأكثر إنصافا، وأكثر استدامة اقتصاديا وبيئيا وأخلاقيا، لا يمكنك أن تفعل كل ما ذكر بمفردك، تحتاج إلى مجلس الأمناء، وإلى أساتذتنا، والموظفين، والطلاب، تحتاج إلى التفكير خارج الصندوق، وتحتاج أيضا إلى خريجينا الفاعلين والمتألقين، الذين يشغلون بعضا من المراكز الأكثر نفوذا وتأثيرا في المشهد الفلسطيني والعربي.

في النهاية، أتمنى لك التوفيق والنجاح في مهمتكم الجديدة، وحتى يكون مقالي هذا ليس مجرد كلام في جريدة كما يقال، اسمح لي أن أكون أول المتطوعين معكم وبأي خطة عملية تجدونها مناسبة من أجل الجامعة والتخلص من عزلتها.