نابلس - عقل أبو قرع - النجاح - انتهت قبل عدة أيام في بريطانيا، اجتماعات قمة مجموعة الدول الصناعية الكبرى السبع، وهي الولايات المتحدة وكندا واليابان وبريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا، وهذه الدول تملك مجتمعة أكثر من 40% من مجمل الناتج الاقتصادي الإجمالي في العالم، أي أنها تملك اقتصاديات قوية ذات أذرع صناعية ضخمة ومتشعبة، وبالتالي تساهم بشكل كبير في بث غازات التلوث المتعددة الى طبقات الجو، وما الى ذلك من تداعيات بيئية ومناخية، وبالتالي لا عجب أن احد المواضيع الرئيسية التي ناقشتها القمة كان التغيرات المناخية التي حدثت وتحدث في العالم بسبب نشاطات البشر وسبل الحد منها.
وبغض النظر عن القرارات التي تم اتخاذها فيما يتعلق بمحاربة التلوث التي تساهم به بشكل كبير هذه الدول، بالاضافة الى دول صناعية اخرى مثل الصين والهند والبرازيل وغيرهما، وبغض النظر عن الآلية التي تم وضعها للتطبيق العملي لهذه القرارات والتي تهدف في الاساس الى تقليل كمية الغازات الملوثة التي يتم بثها الى الجو، والى التوجه أكثر نحو مصادر الطاقة النظيفة أو الخضراء، الا أن الآثار والتداعيات البيئية والصحية التي أحدثتها وما زالت تحدثها هذه الدول بفعل الاحتباس الحراري والتغيرات المناخية قد شملت معظم دول العالم، وبالأخص الدول الفقيرة التي لا تساهم بشكل ما في إحداث التغيرات المناخية ولكن تتحمل العواقب والآثار بشكل أكثر إيلاما أو بدون إنصاف أو عدل، وهنا نشأ مصطلح ما بات يعرف «العدالة المناخية» أو بالأحرى عدم وجود أو غياب عدالة مناخية في العالم.
وهذا يعني بالتحديد الصورة القاتمة والظالمة التي باتت تحياها دول فقيرة أو ضعيفة ولا تملك المصادر أو الامكانيات للتعامل مع تداعيات بيئية ومناخية وربما صحية، بسبب النشاطات التي تقوم بها دول أخرى، حيث بتنا هذه الايام نلمس هذه التداعيات على أشكال مثل قلة الأمطار وارتفاع حرارة الارض، وذوبان الجليد وبالتالي ارتفاع منسوب المياه والفيضانات، والتصحر اي فقدان قدرة التربة على الزراعة والتلوث وانتشار بعض الأمراض بسبب ظهور آفات جديدة وما الى ذلك، وما ينتج عن ذلك من التداعيات الإنسانية والسياسية والاجتماعية، والتي تأتي إفرازاً أو نتاجاً لغياب العدالة المناخية.
والعدالة المناخية أو البيئية غائبة منذ زمن، وربما بدون ظهور آثار ملموسة مثل ما نلحظ هذه الأيام، ونحن نعرف أن قمة مجموعة السبع هذه، ليست الاولى ولن تكون القمة الأخيرة أو الاجتماع الاخير الذي يناقش المناخ والنظام البيئي، حيث عقدت قبلها قمم عالمية ناقشت المناخ، وشارك فيها ممثلو معظم دول العالم، ومن بينهم عدد كبير من الرؤساء ورؤساء الحكومات، وتم التركيز خلالها على عرض الادلة والبيانات ونتائج الأبحاث التي قام ويقوم بها المختصون والباحثون، سواء أكانوا يتبعون مراكز أبحاث مستقلة أو هيئات أكاديمية، أو حكومات أو هيئات دولية ومنها ما يتبع منظمة الأمم المتحدة، ببرامجها المختلفة.
وكان يتم في هذه الاجتماعات عرض الصورة القاتمة التي وصلت اليها الأرض وما تحويه من نظام بيئي، بسبب تعمق وتفاقم وتواصل النشاطات البشرية التي ما زالت تساهم في التلوث بأنواعه، وبالأخص تلوث الهواء، ومن ثم الاحتباس الحراري وتشكل ما بات يعرف بغازات الدفيئة.
 وانعكاسات ذلك من خلال ارتفاع درجة حرارة الأرض الكبير والمستدام  خلال السنوات الماضية، وتضاؤل كمية الأمطار، وتشكل الأمطار الحامضية، والتصحر أي عدم القدرة على زراعة التربة أو المحاصيل أو الجفاف وتهديد التنوع الحيوي، وتفشي الآفات المختلفة ومنها الجديدة وبالتالي انتشار الأمراض المعدية، وتداعي الأمن الغذائي، وتلوث المياه، وذوبان الجليد والفيضانات وما يمكن أن يجر ذلك من تداعيات وكوارث لم يعتدها نظامنا البيئي من قبل.    
وكان يتم في تلك الاجتماعات دق ناقوس الخطر الشديد وغير البعيد للنظام البيئي العالمي، ومن ضمن هذه التقارير الدولية، وبأن العالم سوف يخسر التربة الصالحة للزراعة، المتوفرة حالياً، خلال الـ 60 عاماً القادمة أو اقل، اذا استمر الوضع الحالي على ما هو عليه، والذي يؤدي الى تداعي خصوبة التربة وبالتالي عدم إمكانية زراعتها.
 والسبب الأساسي لذلك هو التغيرات المناخية التي يحدثها البشر، وبالأخص الدول الصناعية الكبرى والتي تتحكم في الاقتصاد العالمي، من خلال زيادة بث الغازات والملوثات الى طبقات الجو، وما ينتج عن ذلك من عدم القدرة على زراعة التربة بسبب ملوحتها او قلة الأمطار، ومن ذوبان للجليد، وبالتالي إحداث الفيضانات، وإغراق مساحات من الأرض والبلدان، وكذلك الجفاف وبالتالي الاستخدام المكثف للمبيدات الكيميائية وتراكمها في التربة والطعام الذي يصل الينا.   
وتحقيق العدالة المناخية يعني الحد من الغازات التي تلوث الجو والبيئة، وهذا يعني الحد من النشاطات الاقتصادية، او الى التوجه نحو الاستثمار اكثر في نشاطات اقتصادية صديقة للبيئة، او نشاطات صناعية نظيفة وخضراء، وهذا يعني او يؤثر على المال والفلوس والاستثمار والعمل والتشغيل، وهذا يعني بالضبط السياسة وتداخل المال مع السياسة، او تداخل وتأثير رجال المال والاقتصاد على السياسيين، وهذا يعني مدى صعوبة نقاش موضوع التغيرات المناخية في قمم العالم وبالأخص قمم الدول الصناعية الغنية.
والعدالة المناخية تنطبق كذلك علينا في فلسطين، ورغم اننا لسنا بالبلد الصناعي او الزراعي ذي التأثير الملموس على البيئة والمناخ في العالم، الا أننا قد نتأثر بما يقوم به الآخرون في العالم، وبسبب البقعة الجغرافية الضيقة، والمصادر الطبيعية المحدودة، فقد يكون هذا التأثير علينا كبيراً وملموساً، ان لم يكن الآن فسوف يكون بعد فترة، وبالتالي فما يدور في العالم من نقاش او جدل حول أساليب الحد من التغيرات المناخية،  قد يكون له انعكاس علينا، ولو بشكل غير مباشر، سواء على المدى القصير او البعيد.