أكرم عطا الله - أكرم عطا الله - النجاح - «يا شعب فلسطين العظيم، نحن معكم ولن ننسى الأمل.. وستظل القدس قلب العروبة النابض» تلك الرسالة لم تكن على لسان قائد ثوري أو زعيم سياسي يمتهن الخطابة لتتحلق حوله الجماهير، بل قالها نقيب المهن التمثيلية المصرية الدكتور أشرف زكي كأنه يعيد تأكيد ما هو معروف عن الشعب المصري في علاقته التاريخية بالقضية الفلسطينية ومن حق هذا الرجل أن يسمع من الفلسطينيين كل كلمات الاحترام التي تليق بهذا الموقف الذي يعبر عن روح الشعب المصري.
قبل حوالى خمس سنوات فوجئ المصريون بعضو البرلمان توفيق عكاشة يدعو السفير الاسرائيلي في مصر إلى بيته، وخلال أقل من أسبوع كان مجلس الشعب مسلحاً بالروح المصرية يجرد عكاشة من عضويته ويطرده خارجاً رغم أن عكاشة حينها لم يخالف القانون ولا الاتفاقيات الموقعة مع اسرائيل، ولكن حسب تعبير النائب صلاح حسب الله عضو لجنة التحقيق الخاصة بالموضوع «هذا اللقاء ضد إرادة الشعب المصري».
أقل من أسبوع كانت نقابة المهن التمثيلية قد حسمت الموقف بشكل حاد في رسالة واضحة لكل النقابات وأعضائها وخصوصاً الفنانين والصحافيين، كما قبل خمس سنوات خلال أقل من أسبوع كان برلمان مصر يحسم الموقف بنفس الحدة التي وصفها سفير إسرائيلي سابق عمل في مصر «بالصفعة على الوجه بعد 37 عاماً من محاولات التطبيع كانت مثل هذه الأغلبية الكبيرة تؤيد التخلص من شخص تجرأ على مقابلة السفير».
في تسعينيات القرن الماضي وبعد انتخابات العام 96 وفوز بنيامين نتنياهو بالحكم على خصمه شمعون بيريس كان لدينا في المكتب اشتراك في صحيفة «روز اليوسف» المصرية والتي كانت أول من أطلقت لقبا عنيفا لوصف رئيس الوزراء الاسرائيلي والذي تقدم حينها بشكوى للرئيس المصري حسني مبارك، حينها كانت رياح السلام تهب على القضية الفلسطينية وكانت مصر جزءا من تلك المحاولة، وبالتأكيد لم يكن الهدف توجيه شتيمة من صحيفة رصينة يكتب فيها آنذاك عبد الله كمال وأحمد حمروش وعادل حمودة وهم من أعلام الصحافة المصرية بقدر ما كان يتعلق الأمر بترسيخ ثقافة قائمة لدى الشعب المصري تناغماً مع الروح المصرية التي قال عنها صلاح حسب الله.
لم تكن أحداث كهذه تستوقفنا كثيراً عندما كانت الروح المصرية تعيد تأكيد ذاتها وقوميتها وعروبتها، لكن هذه المرة ومع موجة التطبيع التي يذهب فيها الخليج حد فقدان التوازن وفي سياقات إقليمية آخذة بالانهيار تأخذ المسألة بعداً أكثر أهمية كأن الرسالة تحمل مضموناً يتجاوز الشعب الفلسطيني والمصري بقدر ما يعبر خفية عن امتعاض مصري من هذا الانجراف الخليجي بشكله القائم الذي يدعو للاستياء حقاً.
فمصر دولة وهي دولة مركز حيث مؤهلات القيادة التي تكاملت فيها عناصر التاريخ والجغرافيا والكتلة البشرية. فهي دولة امتدت جذورها عبر التاريخ وراكمت حضارة وثقافة هائلة ومن حيث الجغرافيا أنها تمتد على مساحة كبيرة تقع وسط العالم العربي يحتضنها بحران الأول حيث دارت فيه معارك حربين عالميتين ومازال مسرحاً لأحداث والثاني طريق المواصلات بين الشرق والغرب، وكتلة بشرية مكنتها من خوض كل معارك المنطقة وبناء أقوى جيش عربي، كل هذه ثوابت تجعل حساباتها في السياسة وعلاقاتها تتحرك بحسابات هادئة وبرصانة شديدة قياساً بخفة ميزت حركة الخليج مع أول إشارة إسرائيلية.
وربما كان هناك فارق كبير في العلاقة مع الشعب الفلسطيني وقضيته بين مصر ومعها الأردن وبين دول خليجية تسارع الخطى للتطبيع، وهو أن بعض تلك الدول تحولت في اليوم الثاني لعلاقتها مع إسرائيل إلى ما يشبه العداء مع الرواية الفلسطينية وانتقلت للجانب الآخر وأمثلة ملاحقة أغنية محمد عساف وكذلك رفع مسلسلات تؤكد رواية الفلسطينيين، فيما لم يتوقف الإنتاج الفني المصري عن تقديم أفلام ومسلسلات تحمل الرواية الفلسطينية وتصور الإسرائيلي بأنه يسعى للتخريب والاختراق حتى أن مصر سجنت جاسوساً إسرائيلياً اسمه عزام عزام لمدة عشر سنوات لم يتمكن كل رؤساء ووزراء إسرائيل وبالتأكيد معهم الولايات المتحدة من إطلاق سراحه.
ماذا يعني ذلك؟ صحيح أن القصة تتعلق بفنان شديد الجهل ربما أصيب بلوثة تغير مكانته الاقتصادية والاجتماعية، لكن الموقف العام المصري الشعبي والإعلامي والسياسي والنقابي يستدعي الانتباه لأنه موقف مصر بالإجمال وهو الموقف الذي يمكن أن يتكئ عليه الفلسطينيون بثقة وهو ما يتطلب منهم تعزيز مصر كدولة قائدة تغرس أقدامها في عمق التاريخ ولا تهتز مع أول هبة ريح ولا حتى مع آخرها لا البحث عن بدائل في لحظة غضب، لأن في الثقة بمصر ودورها ما يجعلهم أكثر اطمئناناً على قضيتهم.
التجربة الماثلة أمامنا بين دول المركز ودول الأطراف ما يعطي درساً مهماً في التاريخ وهو استكمال لكل دروسه السابقة بأن الدول الطرفية لا تجيد العمل السياسي وتتعامل بخفة شديدة مع القضايا الاستراتيجية، فيما دول المركز أكثر ثباتاً وأكثر عقلانية ولا ينطبق الأمر على الفلسطينيين فقط بل أن مصلحة العرب جميعاً بأن يبقى الدور المصري قائداً للمنطقة وحذار أن ينتقل الثقل السياسي حيث انتقل الثقل الاقتصادي من المركز للهامش لأن التاريخ الماثل أمامنا هو أن حالة التردي العربي الأكثر بؤساً رافقت تلك المحاولات فماذا لو اكتملت؟.