د.سائد الكوني - النجاح - تابع الكثيرون في أنحاء العالم باهتمام كبير، يراه البعض غير مسبوق، مجريات انتخابات الرئاسة الأمريكية، التي ستحدد نتائجها الرئيس السادس والأربعين للولايات المتحدة الأمريكية، ويعود ذلك لأسباب عدة منها ما يتعلق بالشأن الدولي وأخرى الداخلي الأمريكي. وفلسطينياً بدا الشارع غير مبال بهذه المجريات معتبرين أن "الخل أخو الخردل"، حيث لا يتوقعون تغيراً جوهرياً ينصف الفلسطينين في السياسية الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية، في ظل المؤشرات الانتخابية التي تظهر تقدم مرشح الحزب الديمقراطي جو بايدن للفوز بكرسي الرئاسة، وذلك لأن السياسة الخارجية الأمريكية تحددها مؤسسات عميقة يربطها علاقات تاريخية مشتركة مع اللوبي الصهيوني في الدولة، بما يعطي مساحة محدودة لأي رئيس للتغير فيها. هذا عدا عن الرئيس دونالد ترامب قد أوجد معطيات متحيزة للجانب الإسرائيلي على الأرض الفلسطينية، لن يكون بوسع الرئيس الجديد المنتخب" جو بايدن أن يعكسها؛ مثل اتخاذ قرار اداري بإرجاع السفارة الأمريكية من القدس إلى تل أبيب، كون ذلك يتعارض مع قرار مُقر منذ عام 1995 من قبل الكونغرس الأمريكي، بمجلسيه الشيوخ والنواب. أضف إلى كل ذلك، أن سياسة جو بايدن الخارجية يمكن ببساطة التنبوء بها، والتي لن تختلف كثيراً عن تلك التي إنتهجتها الولايات المتحدة الأمريكية على مدار ثمان سنوات، هي فترة ولاية ادارة الرئيس باراك أوباما، التي شغل فيها جو بايدن منصب نائب الرئيس، ولم تحقق اختراقاً حقيقياً في عملية السلام الشرق أوسطية، المجمدة منذ الفشل الذي اعتراها في قمة كامب المنعقدة في يوليو/تموز من العام 2000 بسبب التعنت الإسرائيلي حيال السيادة على القدس الشرقية والإنحياز الأمريكي له.

على الصعيد الشخصي أتفق مع رأي الأقلية، وبعض السياسيين الفلسطينيين، في أن العالم وفلسطين، سيكونون أفضل إذا غادر دونالد ترامب كرسي الرئاسة، ليس تفاؤلاً بجو بايدن، ولكن لأن الأول أساء إلى السلم العالمي، بالتوترات التي سببها مع العديد من دول العالم المؤثرة وعلى رأسها الصين، وكذلك الضرر الذي ألحقه بمؤسسات الأمم المتحدة التي عملت منذ الحرب العالمية الثانية على ضمان الأمن والاستقرار العالميين؛فهو أعلن عن خروج بلاده من"الاتفاق النووي مع ايران"، وانسحب من اتفاق باريس العالمي للمناخ (كوب 21)، وأبدى عدم موافقته على المضي بالمرحلة الثانية من الإتفاق التجاري مع الصين،وأعلن خروج الولايات المتحدة الأمريكية من منظمة الصحة العالمية، وأوقف دعمها لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئيين الفلسطينيين "الأنروا"، ومارس الضغوط على إبرام علاقات سلام وتطبيع زائفة بين إسرائيل وقلة من الأنظمة العربية، وغير ذلك من الاجراءات التي قامت على تفرد الولايات المتحدة الأمريكيةفي القضايا التي تختص بالشأن العالمي، في خروج واضح على السياسات المألوفة للحزب الجمهوري القائمة على التطلع للعب دور أممي مؤثر في العالم من خلال التأثير في إدارة مؤسساته لا تهميشها. على النقيض من كل ذلك، فقد عمل على تعزيز مفهوم الولايات المتحدة الأمريكية على أنها القطب الأوحد في العالم، موهماً البسطاء من أبناء شعبه من الفلاحين والعمال بأن ذلك سينعكس عليهم بالنفع الاقتصادي الذي سرعان ما تبين زيفه لهم ولعموم الأمريكيين ولغيرهم في العالم، وأدى إلى عزل بلاده عن بقية دول العالم في ما يمكن تسميته "الإنعزالية السياسية" لدولة عظمى كالولايات المتحدة الأمريكية، معتبراً أن العولمة لم تكن ذات منفعةلأمريكا.وهكذا أصبحت شعوب العالم بوجود ترامب أكثر اكتئاباً واضطراباً، وأقل تواصلاً وتفهماً لاحتياجات بعضها البعض، ما انعكس سلباً على السلم والأمن الدوليين.

وعلى صعيد الأمن القومي الأمريكي، فقد بالغ ترامب في فكره الإنعزالي الشعبوي، وتعزيز فكرة العدوانية لدى العمال والفلاحين في الأماكن النائية، ونفخ في القومية البيضاء، التي أفرزت مقتل المواطن الأمريكي غير المسلح من أصل أفريقي جورج فلويد، 46 عاماً، في 25 ايار/ مايو 2020 في مدينة منيابولس بولاية مينيسوتا، أثناء إعتقال الشرطة له إثر بلاغ عن استخدامه ورقة نقدية بقيمة عشرين دولار يُشتبه أن تكون مزورة، حيث جثا ضابط شرطة أبيض بركتبه على عنق فلويد لمدة تقارب تسع دقائق أنهت حياته بمساعدة من ضابطيين آخرين كانا يقيدانه ورابع يشاهدهم ويمنع تدخل الجمهور،غير آبهين بصرخات فلويدالمتكررة "لا أستطيع التنفس"،حتى مع وصول طاقم الطوارئ ومحاولته إسعافه، لتنطلق في اليوم التالي احتجاجات ومظاهرات بدأت سلمية ولكنها ما لبثت أن تحولت إلى أعمال شغب عارمة تدخلت فيها قوات الحرس الوطني. بمثل هذه الأفعال الناجمة عن سياساته دفع ترامب تجاه تقويض قيم التنوع العريقي التي جعلت من أمريكا دولة عظيمة.

نفس الفكر الطائفي والتفريقي برز في آليات عمل حملة ترامب الانتخابية، والتصريحات الصادرة عنهومسؤوليها، والتي صُنفت بموجبها الولايات الأمريكية حمراء وزرقاء بدلاً من "المتحدة"، إمعاناً في عدم الوحدة والتفتيت الداخلي للنسيج المجتمعي الأمريكي.ولم يكن ذلك كافياً لرجل من المفترض أنه يمثل أعظم دولة مؤسسات في العالم، فما أن بدأت بوادر التقدم والفوز تظهر لخصمه الديمقراطي، حتى بادر في تقويض نظام بلاده الانتخابي ونعته بالفاسد والمتواطئ مع الديمقراطيين، في هدم واضح وصريح لمؤسسات الدولة المؤتمن هو على حمايتها كرئيساً للبلاد، مرسلاً أنصاراً مسلحين إلى الشوارع، ومهدداً بعدم التسليم بنزاهة الانتخابات واللجوء إلى القضاء لنقضها، يحدوه في كل ذلك فكره التآمري غير مبالٍ بمصالح بلاده القومية ووحدتها ودستورها الذي أقسم على حمايته، ولا حتى مصالح حزبه، المتمثلة في خسارة ثقة مؤيديه وناخبيه المستقبليين، ولسان حاله يقول "أنا ومن بعدي الطوفان"، العبارة التي تُنسب لملك فرنسا لويس الرابع عشر. وفي إشارة إلى تنبه الحزب الجمهوري إلى هذه الكارثة التي يمكن أن تلحق به، دعا زعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخالسيناتور ميتش ماكونيل إلى مواصلة فرز جميع الأصوات الانتخابية في رد مباشر على تغريدة لترامب على تويتر بالمطالبة بوقف الفرز في الولايات التي غدت تظهر تفوقاً لمنافسه جو بايدن.

ترامب أحدث ما بات يُعرف بالظاهرة "الترامبية"، التي لا تحترم التشريعات ولا القوانين،بل تنتهج التفرد وفرض العضلات في حسم الأمور، وتلقفها بشغف اليمين المتطرف في الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من دول العالم، خصوصاً أوروبا.نتائج الانتخابات الرئاسيةأظهرت بوضوح تصويت الناخب الأمريكي لإنهاء هذه الظاهرة ديمقراطياً من خلال صناديق الاقتراع لما فيه مصلحة الجميع؛الحزب الحاكم، أمريكا، والعالم.