الدكتور محمد السعيد إدريس - النجاح - تواجه الولايات المتحدة الأمريكية هذه الأيام ورطة مركبة الأبعاد جاءت كرد فعل لقرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سحب القوات الأمريكية من شمال سوريا. المعنى الذي فرض نفسه كرد فعل لهذا القرار أكبر وأعمق كثيراً من سحب هذه القوات المحدودة العدد، فقد امتد ليشمل جوهر ومضمون السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط وبالتحديد مع من تتحالف معهم واشنطن، وأي مصالح تخدمها هذه التحالفات، ولأن واشنطن تتحالف في المنطقة وبتحديد أكثر في سوريا مع أطراف كثيرة متناقضة المصالح فإن صراعات المصالح بين هذه الأطراف هي التي فرضت نفسها واستطاعت تعرية زيف كثير من الوعود الأمريكية لهؤلاء الحلفاء.

هناك حلفاء تاريخيون وإستراتيجيون للولايات المتحدة في الشرق الأوسط وتعتبر إسرائيل أكبر من كونها مجرد حليف، هي وكما عبر أكثر من مفكر وإستراتيجي أمريكي «مصلحة أمريكية» أو «ولاية أمريكية شرق أوسطية»، وتأتي بعد إسرائيل الدول العربية الصديقة والحليفة تاريخياً للولايات المتحدة، فعلى مدى عقود طويلة مضت كانت هناك دول عربية حليفة للولايات المتحدة، وكان التحالف ومازال تقريباً.

تأتي تركيا هي الأخرى كحليف وشريك لواشنطن في حلف شمال الأطلسي، لكن الدور التركي شهد تراجعاً في مركزيته ضمن إستراتيجية الدفاع الأمريكية بعد سقوط حلف وارسو وتفكك الاتحاد السوفيتي، حيث كانت تركيا تعمل كحائط صد يعزل أوروبا خلفها بعيداً عن الاتحاد السوفيتي والكتلة السوفيتية في أوروبا الشرقية. رغم ذلك ظلت تركيا تعمل كحليف للولايات المتحدة سواء من خلال الشراكة مع إسرائيل، أو القيام هي الأخرى بعمليات تخدم المصالح الأمريكية في المنطقة.

وإلى جانب هؤلاء الحلفاء جاءت الأزمة السورية أو لنقل بصراحة «الحرب على سوريا» لتفرض حليفين جديدين لواشنطن؛ الأول هم المعارضة الكردية السورية وبالتحديد ما سمي «قوات سوريا الديمقراطية» وجناحها العسكري المسمى «وحدات حماية الشعب» الذين تعتبرهم تركيا تنظيماً إرهابياً، أما الحليف الثاني فهو فصائل المعارضة السورية الإرهابية منها وغير الإرهابية. هؤلاء الأخيران تم تجاهلهما تماماً من حسابات واشنطن، لكن معضلة واشنطن كانت كيف تدير صراع المصالح بين إسرائيل والعرب وتركيا ووحدات الشعب الكردية، أي حلفاءها الأساسيين، ومن هنا جاءت جولة كل من جون بولتون مستشار الأمن القومي الأمريكي التي شملت إسرائيل وتركيا، ومايك بومبيو وزير الخارجية الأمريكي لكل من مصر والأردن ودول مجلس التعاون الخليجي الست.

جون بولتون كان معنياً بتسوية تداعيات الانسحاب الأمريكي من سوريا على كل من إسرائيل وتركيا والحلفاء الأكراد. كانت مشكلة واشنطن مع إسرائيل، كما كشفت عنها محادثات بولتون في القدس المحتلة هي كيف يمكنها الوفاء بمطالب الأمن الإسرائيلية في سوريا في ظل الانسحاب الأمريكي، أما مشكلة واشنطن مع تركيا فكانت كيف يمكن تحقيق الانتشار العسكري التركي في شمال سوريا دون تهديد وحدات حماية الشعب الكردية. واشنطن بعثت بولتون إلى تركيا ليحقق الأمن للحلفاء الأكراد.

لذلك صرح خلال زيارته لإسرائيل أنه «سيؤكد خلال اجتماعه مع الرئيس التركي في أنقرة على حماية الأكراد حلفاء واشنطن في سوريا» وقال «يجب على الأتراك التنسيق التام مع واشنطن في أي عملية يقومون بها في سوريا»، الأمر الذي أثار غضب أنقرة وكان السبب المباشر لرفض الرئيس التركي لقاء جون بولتون، وقال المتحدث باسم الرئاسة التركية إن «الاتهامات الأمريكية بشأن استهداف أنقرة للأكراد في سوريا وضرورة ضمان حمايتهم قبل الانسحاب الأمريكي «أمر لا يتقبله عقل»، كما اعترض المتحدث باسم الخارجية التركية التصريحات التي وردت على لسان وزير الخارجية الأمريكية مايك بومبيو عن «الحلفاء الأكراد» مؤكداً رفض تركيا لوصف وحدات حماية الشعب الكردية بـ «الحليف» واعتبر تصريحات بومبيو بهذا الخصوص «مزعجة» و«مرفوضة من حيث الشكل والمضمون».

فشل جون بولتون في مهمته بخصوص حل التناقض بين مصالح الحليف التركي والحليف الكردي لكنه لم يفشل في تأمين مصالح إسرائيل، حتى وإن كان لم يستطع إكمال مهمته في تركيا بلقاء الرئيس التركي للتباحث معه في موضوع «مكافحة الأنشطة الإيرانية في المنطقة» التي وصفها بولتون بـ «الخبيثة». فقد كشف الإسرائيليون أن نيتانياهو تباحث مع بولتون في إمكانية أن تبقى القوات الأمريكية في الجنوب السوري، وألا تنسحب من هناك لضرورات أمنية إسرائيلية. ومن ناحية أخرى كشف نتيانياهو عن أهم مطالبه في سوريا فأكد ضرورة خروج إيران من سوريا، لكن الأهم أنه طالب بأن تعترف الولايات المتحدة بالسيادة الإسرائيلية على هضبة الجولان السورية المحتلة.

واضح أن الإسرائيليين حريصون هم أيضاً على التمدد الجغرافي في الأراضي السورية مثلهم مثل تركيا التي تريد أن تحتل الشمال السوري وفق أطماع معلنة ولم تعد خافية كما هي أطماعها في الشمال العراقي، وكما أن إيران تريد أن تمد طريقاً برياً من أراضيها يصل إلى سوريا ولبنان عبر الأراضي العراقية للوصول البري الإيراني إلى شاطئ المتوسط. لذلك طالبوا واشنطن بأن تعترف رسمياً بالسيادة الإسرائيلية على هضبة الجولان السورية التي احتلتها في حزيران 1967 وأعلنت ضمها رسمياً بقانون أصدره الكنيست في 14/12/1981. بولتون لم يقدم رداً رسمياً على هذا الطلب الإسرائيلي لكن السؤال فرض نفسه بقوة على جولة وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو الذي يريد أن يؤسس لتحالف عربي تقوده أمريكا وتشارك فيه إسرائيل لمواجهة إيران. الهدف الأمريكي من هذا الحلف مزدوج فهو من ناحية يهدف إلى حماية إسرائيل، ومن ناحية أخرى يرمي إلى تعزيز مكانة الرئيس ترامب داخلياً.

واشنطن تريد فرض أولوياتها وأولويات إسرائيل على العرب بجعل الصراع ضد إيران مصلحة عربية، في الوقت الذي يتجه العرب الآن، أو هم أميل الآن للتوجه نحو سوريا لمواجهة النفوذ التركي وليس التورط في مواجهة مع إيران، من هنا جاء صدام مصالح واشنطن مع كل الحلفاء ربما باستثناء إسرائيل وهذه هي حقيقة السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط.

...عن «الأهرام» المصرية