مهند عبد الحميد - النجاح - كشفت هبة غزة عن مكامن القوة التي يملكها الشعب المحاصر والرازح تحت أطول احتلال، يقول البروفيسور الإسرائيلي يورام يوڤيل على "موقع واينت" وترجمة سهام داود : أريد أن أقترح على كل واحدة وواحد منّا، على كل يهودي يعيش هنا، سواء كان يسارًا أو يمينًا، أن يسأل نفسه سؤالًا أكبر بكثير، وأن يفكّر في الأمر لمدة خمس دقائق، لا أقل من خمس دقائق: إن جاء يومٌ - وأعتقد أن هذا اليوم قريب - أراه خلف دخان الإطارات والحرائق - إن اقتربت إلى السياج خمسون ألف امرأة مع أطفالهن دون رجل واحد، دون حجر واحد، ودون بندقية واحدة، وسرن على أقدامهن بهدوء، بهدوء، وقلن إنهن عائدات إلى البيت، ماذا سنفعل بعد حينئذٍ ؟ والأهم أكثر بكثير، ماذا سنقول لهم؟ وماذا سنقول لأنفسنا.
 هذا القول الاستشرافي يلخص الصراع بين شعبين على المكان والوجود. سبق للمفكر السوري هاشم صالح القول، إن إسرائيل الدولة "السوبر باور" ومهما بلغت من تفوق عسكري وازدهار اقتصادي ومهما بلغ مستوى الدعم الأميركي والخنوع الرسمي العربي من ذرى ومستويات كبرى، فإن الذي يقرر شرعية أو لا شرعية وجود هذه الدولة هو الشعب الفلسطيني. قد يقول قائل ان اسرائيل القوية قادرة على تفكيك وتفتيت مقاومة وصمود الشعب الفلسطيني بما في ذلك اللجوء الى طرد اجزاء وإذابة اجزاء في المحيط العربي. الا ان هذه التقديرات النظرية عجزت عن الانتقال الى التطبيق الجذري  والحاسم خلال قرن، بقيت متعثرة بفعل مقاومة وصمود هذا الشعب وتزداد صعوبة وتعقيدا بمرور الوقت.
استشراف البروفيسور يوفيل منطقي وإن شابهُ بعض المثالية، منطقي من زاوية لجوء الشعب الفلسطيني الى اشكال فاعلة من النضال، في مواجهة الاستعصاءات التي تواجهه في كل فترة. الجديد هو محاولة الخروج من انسداد خيار المجابهة العسكرية بين طرفين غير متكافئين التي تتفنن خلالها دولة الاحتلال في التدمير والقتل وفي تحطيم البنية التحتية وإحلال كارثة جديدة بمليوني مواطن في قطاع غزة، ومثالي من زاوية ارتقاء الحالة الفلسطينية الى مستوى متقدم جدا في إدارة المواجهة، استناداً الى عناصر القوة الفلسطينية وعناصر الضعف الإسرائيلية. عادت غزة بالصورة والصوت، شعب اعزل محاصر في مواجهة آلة قتل وحشية. قناصة متحصنون في دُشَم او عربات مصفحة يصطادون برصاصهم شباناً وفتية يستخدمون الحجارة والزجاجات الحارقة بدائية الصنع. ولا يغير من هذه الحقيقة التي صدمت العالم، وجود عناصر من حركة حماس ضمن الشبان الذين حاولوا اقتحام الشريط الحدودي. فهؤلاء دون سلاح وزي عسكري يعدون مدنيين وينطبق عليهم قوانين التعامل مع المدنيين التي من المفترض الزام سلطة الاحتلال بها اثناء المواجهة. لقد جاء قرار مجلس حقوق الانسان ليؤكد على الانتهاك الاسرائيلي الفادح لحق المدنيين في الاحتجاج، وعلى لا مشروعية الحصار المفروض على قطاع غزة منذ سنوات. خسرت دولة الاحتلال المعركة سياسيا واخلاقيا، ولكن في الوقت نفسه خسرت فلسطين عددا كبيرا من ابنائها. هل كان بالامكان تفادي الخسارة الفلسطينية في الابناء؟ الجواب، نعم. كان يمكن تحويل الحدود الى ميادين احتجاج تقدم رسائل للعالم وتعمل على جذب المناصرين والمتعاطفين والى محاكاة الاحتجاج الفلسطيني باحتجاجات ضد المحتلين وضد راعي وشريك الاحتلال إدارة ترامب والحلف غير المقدس الذي يدور في فلكهم.
ان ردود الفعل العالمية – سحب سفراء واحتجاجات والتصويت في مجلس حقوق الإنسان وفي مجلس الأمن وبيانات المنظمات الحقوقية - تشير جميعا الى انحياز أكثرية دول وشعوب ومع الشعب الفلسطيني وضد الاحتلال. وكان من شأن ادارة وتنظيم افضل للاحتجاجات بمعزل عن الاستثمار والتدخل التنظيمي الفئوي، ان يعلي من شأن التضامن والالتفاف العالمي حول المطالب الفلسطينية. ولوحظ انه بالقدر الذي تم فيه تجاوز الخطط الاحتجاجية المدنية بالقدر الذي ضعفت فيه المشاركة الجماهيرية. كان المخطط يدعو الى زيادة المشاركة الشعبية أسبوعاً تلو الآخر وصولا للذروة يوم 15/5. العدد الضخم من المواطنين يستطيع ان يلحق هزيمة سياسية اكبر بالحصار وبمشروع ترامب وبالتهافت العربي نحو المحتلين، ويستطيع حفز نسبة متزايدة في اجزاء الوطن للمشاركة في الاحتجاج الشعبي المنظم. لم يحدث ذلك لسببين اولا : قيام جنود الاحتلال باستفزاز الشبان والعمل على استدراج منظمات المقاومة للانتقال من حالة الاحتجاج الشعبي السلمي الذي تخسر فيه اسرائيل، الى حالة المواجهة العسكرية التي تخسر فيها فلسطين، وهذا يفسر عدد الشهداء الكبير جراء إطلاق الرصاص الحي، وانعدام الإصابات في صفوف الإسرائيليين – صفر-. ثانياً: لأن حركة حماس حرصت على الاستئثار والتحكم في الاحتجاجات وفي إبقائها بمستوى يجعلها قادرة على السيطرة والتحكم بها وتوظيفها او استخدامها فئويا، ولتفادي تحول الاحتجاجات الكبيرة  ضد حكمها الفاشل للقطاع. وهي التي كبحت كل احتجاج سابق وقمعت المعارضين بقوة. 
تقول خبرة هبة غزة، ان تنظيم احتجاجات كبرى ونضال شعبي منظم - مشاركة غالبية الشعب-، يعد حاجة فلسطينية ضرورية لصد هجمة القرن أولاً، ولتصويب الأوضاع الداخلية المختلة الناجمة عن تخلف المركزية البيروقراطية للسلطتين ثانياً. فلا يستقيم استنفار الشعب للدفاع عن حقوقه الوطنية والمدنية والانسانية وحقه المشروع في تقرير المصير مع حالة التفكك التي تعيشها المؤسسة السياسية وبنيتها التنظيمية المتداعية، والتي كان أداؤها في حل التناقضات الداخلية مدقعاً طول الوقت، ما الحق ويلحق خسائر فادحة في مصالح الناس. كانت الهبة تستدعي دفع رواتب قطاع غزة كاملة وفوراً وتأمين المستحقات الأخرى والتراجع عن كل ما من شأنه إلحاق ضرر بالمواطنين.
ان تخلف المركزية البيروقراطية، واستخدام معاناة المواطنين من قبل سلطة حماس، وبقاء استجابة المنظمة –قرارات المجلس الوطني- في نطاق الاقوال دون الافعال. هذا الوضع المثقل بأزمات غزة التي يتناوب على صناعة بؤسهم كل أنواع السلطات، يطرح ضرورة إيجاد آليات تصحيح ذاتي في عملية صنع القرار.
بقي القول، لقد قالت غزة صانعة وحامية الوطنية الفلسطينية قولتها: الشعب الفلسطيني لا يسمح لأحد كائناً من كان ومهما كان قويا (اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً)، أن يقرر مصيره نيابة عنه، هذا حال كل الشعوب التي تناضل من أجل تحررها.
Mohanned_t@yahoo.com