د. دلال عريقات - النجاح - تُعتبر حرية التعبير عن الرأي من أهم الحقوق التي يجب أن تتوفر للإنسان، وهي الأساس للنظام الديمقراطي، وتعزز ذلك بميثاق الأمم المتحدة الذي ربط حرية الرأي والتعبير بأهداف المنظمة الأممية وهذا يدل على عالمية هذه الحريّة وضرورتها. تتضمن حرية الرأي عناصر أساسية لحرية التعبير ويتمثل ذلك في حرية الكلام، وحرية الإعلام من خلال الوسائل الصوتية، أو المكتوبة، أو المطبوعة. وهنا نستحضر المادة ١٩ من الإعلان العالمي لحقوق الانسان لعام ١٩٤٨: لكلِّ شخص حق التمتُّع بحرِّية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حريته في اعتناق الآراء دون مضايقة، وفي التماس الأنباء والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين، بأية وسيلة ودونما اعتبار للحدود.

عند الحديث عن الحرية، كلنا متفقون أن لا حرية مُطلقة، فلا بد من حدود للحرية البشرية من خلال ضوابط قانونية وأخلاقية ودينية تتلاءم وطبيعة المجتمع للحفاظ على حقوق الناس والقوانين الوطنية والأخلاق العامة، والنظام العام. بالقدر الذي يحترم به الشخص حريات الآخرين سيمارس حريته بمسؤوليةٍ ومعرفة وكما نعلم جميعاً تنتهي حريتك عندما تبدأ حرية الآخرين. الديانات المختلفة وضعت حدوداً لضبط هذه الحريّة لما قد يكون لها مِن اثر سلبي على المجتمع مثل تحريم الغيبة، والنميمة، والسخرية والمس بسمعة الآخرين تحت بند حرية الرأي والتعبير.

نتمتع الْيَوْم بحريات لم تكن موجودةً في السابق، وذلك بسبب سعة الاطّلاع على الشعوب الأخرى، كلّ ذلك حصل بسبب انتشار وسائل الاتصال التي قربت المسافات بين الشعوب فوسائل التواصل الاجتماعي وخاصة 'الفيسبوك' قدمت لكل شخص مِنبر مجاني عاما يستحيل تقييده. وهنا علينا إثارة بعض التساؤلات والملاحظات للمراجعة:

- مالكولم إكس - قال أن وسائل الإعلام هي الكيان الأقوى على وجه الأرض، لديها القدرة على جعل المذنب بريء وجعل الأبرياء مذنبين، هذه هي السلطة لأنها تتحكم في عقول الجماهير. لماذا تسمح وسائل الاعلام بتداول الإشاعات والتشهير بأشخاص أو جهات أو مؤسسات؟ ومنذ متى أصبحت السخرية حقا وعمل محترم؟

لنقرأ المادة ١٤ من مشروع قرار قانون نقابة الصحفيين الفلسطينيين لعام ٢٠١٦ التي توجب على الصحفي أن يتقيد في ممارسة عمله بمبادئ مواثيق الشرف الصحفي والموضوعية والاستقامة والنزاهة، وقواعد السلوك المهني واخلاقيات المهنة، وأن يمتثل للواجبات التي تفرضها عليه تشريعات الاعلام وأنظمة النقابة وتقاليدها. كما نعلم فالنقابة موجودة لحماية الصحفيين بالدرجة الأولى ولكن ألا يشمل دور النقابة المنتخبة ضمان أخلاقيات المهنة ومتابعة واجبات الصحفيين الى جانب حمايتهم؟ ما دَوْر نقابة الصحفيين والقانون من وسائل الإعلام المختلفة التي تتداول الأخبار التي لا تستند لمصادر معلومات واضحة ولمرجعيات صريحة ذات مصداقية؟ وألا تعمل الاعتقالات على قلب موازين الحريات وإعطاء شهرة لمن يحلم بها؟

- ألم يحن الوقت للاعتراف بأن المشكلة تكمن في عدم وجود مجلس تشريعي لسن القوانين؟ أليس اللجوء للسلطة التنفيذية في كل ما يخص الرأي العام هو بحد ذاته معضلة؟ بعد البحث في القوانين المتعلقة بالإعلام والنشر منذ ١٩٩٥، وجدت أنه وحسب 'مشاريع' قانون الصحافة والإعلام وحسب قانون النشر والمطبوعات 'الُملغى'، وحسب الأخلاق المتفق عليها، يتوجب على كل صحفي وكل من يعمل بالصحافة الإلتزام بآداب المهنة وتوخي المهنية والمصداقية عند تداول الأخبار، إلا أن هناك شيئاً من الإرباك في اعتماد قانون محدد وهنا لا بد لنا من العمل على قانون مُنَظِّم يحدد آداب المهنة.

قد يقول البعض اليوم بأن دورنا جميعاً كأفراد ومؤسسات يجب أن يكون رقابياً أيضاً، مع احترامي لدور الأفراد والمؤسسات ودور السلطة الرابعة وإيماني بأهمية دورها الرقابي، إلا أن زمن ال"فيسبوك" ألغى كل الضوابط القانونية والأخلاقية. لن نتطرق الْيَوْم لقانون الجرائم الالكترونية، ولكن إذا كانت وسائل التواصل الاجتماعي تسمح للناس ان يكونوا مسؤولين عن رواياتهم، فمن المحزن أن ترى نسبة الناس التي لا تملك رواية أصلاً ومن المحزن أكثر رؤية هؤلاء الذين يوظفون وسائل التواصل المختلفة لبث الروح السلبية والاستمرار بالنقد لمجرد النقد والتشهير وليس بهدف الإصلاح والتغيير!

مع توفر ومجانية وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة، هناك من جعل من الاستهزاء بالآخرين والكلام الخالي من اي فكر ظاهرة مدرجة تحت بند حرية الرأي والتعبير، حان الوقت لتوظيف وسائل التواصل الإجتماعي للتواصل والتأثير وليس للمراقبة والتشهير.