نابلس - النجاح الإخباري - وسام عبد الله- بيروت -  (وكالة أنباء العالم العربي) – في يونيو حزيران من عام 1982، اجتاحت قوّات الاحتلال الإسرائيليّة لبنان ووصلت إلى العاصمة بيروت؛ في ذلك الوقت، استخدمت الفصائل اللبنانيّة والفلسطينيّة المسلّحة أسلحة ناريّة وصواريخ الكاتيوشا لصد الهجوم.

في المقابل، كان الجانب الإسرائيلي صاحب اليد الأعلى من حيث القدرات العسكريّة، بامتلاكه المروحيّات والدبابات والبوارج الحربيّة.

لكن بعد مرور 42 عاما على ذلك الاجتياح، لم تعُد المواجهة بين جماعة حزب الله اللبنانية وإسرائيل محصورة في استخدام تلك الأسلحة التقليديّة، حيث دخلت فيها الطائرات المسيّرة وصواريخ الدفاع الجويّ، حتى إن تقنيات الذكاء الاصطناعي باتت تُستخدم في الرصد والاستهداف.

ومنذ نشوب حرب غزة في أكتوبر تشرين الأول الماضي، تصاعدت حدّة المواجهات بين الجبهتين اللبنانيّة والإسرائيليّة على نحوٍ يخشى البعض أنّه يُنذر بإمكانيّة اتساع رقعة الحرب في هذه المنطقة من العالم.

ويرى جيلبير ضومط، المتخصّص في الشأن الرقميّ، أنّ كلّا من حزب الله وإسرائيل قد عمل خلال الفترة الماضية على اكتشاف الإمكانيّات التكنولوجيّة التي يملكها الطرف الآخر.

 

* تقنيّات متطوّرة

وقال الضومط في حديث لوكالة أنباء العالم العربي (AWP) إنّ الجانب الإسرائيليّ "يمتلك أهمّ شركات التكنولوجيا والتقنيات على مستوى العالم، حيث تُعدّ جزءا من حركته الاقتصاديّة... ويشكّل الذكاء الاصطناعيّ وتوظيف شبكات الإنترنت عناصر أساسيّة في القوّات العسكريّة الاسرائيليّة".

أضاف "تتبّع (الجانب) الإسرائيليّ مقاتلي حزب الله بتقنيّات الذكاء الاصطناعيّ عبر شبكات الهواتف الجوّالة والأرضيّة والبصمات الصوتيّة... ظهر هذا خلال الأشهر الأولى من المعارك، حين كان يتمّ استهداف مقاتلي الحزب في أماكن وجودهم، ممّا دفع الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله إلى طلب منع استخدام الهواتف من قبلهم أو من طرف عائلاتهم".

وتابع "الذكاء الاصطناعيّ يعتمد على جمع البيانات ليتمكّن (الجانب الإسرائيليّ) من تحليلها؛ وبيانات مقاتلي الحزب تتعلّق بأصواتهم وصورهم الشخصيّة وتحرّكاتهم وجهات الاتصال، وهو ما عمل عليه الإسرائيلي باختراق شبكات الاتصال اللبنانيّة عبر عملاء أو تقنيّات خاصّة لسرقة البيانات وتخزينها طول السنوات الماضية".

وأشار إلى أنّ الوحدة 8200 التابعة للاستخبارات العسكريّة الإسرائيليّة "تعمل على الرصد والتنصّت باستخدام التقنيّات الحديثة؛ لكن بعد عمليّة طوفان الأقصى التّي نفّذتها حركة حماس، أُثيرت تساؤلات إسرائيليّة حول الثغرات الموجودة لديها (الوحدة) والتّي أدّت للفشل في رصد الاتصالات بين الفصائل الفلسطينيّة في غزة قبيّل العمليّة".

ويرى الضومط أنّ الفارق في التقدّم التقنيّ، الذي يرجّح كفّة الجانب الإسرائيلي، دفع جماعة حزب الله إلى محاولة التدرّج في عملياتها "للكشف عن أكبر قدر من تقنيّات التجسس" لدى إسرائيل.

 

* الذكاء الاصطناعي

وقال "في الحرب الإسرائيلية على غزّة، استخدمت القوّات الإسرائيليّة الذكاء الاصطناعيّ لقصف الأبنية السكنيّة التي تزعم بأنّها تضمّ مقاتلي حركة حماس، معتمدة على بيانات الوجوه والاتصالات ومكان السكن والتنقّل... ترجّح الآلة العسكرية وجود الهدف في مكان محدد فيتمّ قصفه دون التأكّد بشكل قاطع من حقيقة وجوده".

واعتبر أنّ هذا المسار "يتطابق أيضا مع محاولة استهداف مقاتلي حزب الله عبر قصف المنازل والمنشآت الصناعيّة؛ لكن الفارق أنّ المناطق التي يُقاتل بها (عناصر جماعة حزب الله) متنوعة بالتضاريس التي تختلف عن قطاع غزّة، ممّا يشكل لها سهولة بالاختباء والتنقّل تحت الأرض وبين التلال".

أضاف "قيادة حزب الله لم تكشف حتّى الآن عن امتلاكها منظومة ذكاء اصطناعي، وهي قد تكون موجودة وتحتفظ بها كأحد أسرار معركتهم، لأنّ أيّ كشف مبكر لها سيدفع الإسرائيليّ إلى محاولة اختراقها، مما يُفقد الحزب قدراته التقنيّة".

وأشار إلى أنّ الجانب الإسرائيلي تحدّث عن احتمال امتلاك جماعة حزب الله تقنيّات الذكاء الاصطناعيّ عبر يوسي سارييل، قائد الوحدة 8200 "الذي أصدر كتابا بعنوان (فريق الإنسان والآلة – عام 2021) يشير فيه إلى امتلاك حزب الله تقنيّات هامة في الصواريخ والمسيّرات والتجسس".

من جانبه، يرى العقيد المتقاعد في الجيش اللبناني إلياس فرح أنّ هناك مسارات تعمل عليها جماعة حزب الله لتفادي رصد المسيّرات التي تطلقها باتجاه المواقع الإسرائيلية، والتّي وصل مداها إلى عمق 35 كيلومترا في الداخل الإسرائيلي.

 

* ثغرات تسلّل المسيّرات

وقال فرح في حديث لوكالة أنباء العالم العربي إنّ جماعة حزب الله عملت منذ أكتوبر تشرين الأول على "استهداف مراكز الرصد والتجسّس الممتدّة على طول الحدود الجنوبية من خلال قصف أبراج المراقبة والرادارات وآخرها إسقاط منطاد تجسس".

واعتبر أنّ "تدمير هذه التجهيزات وإلحاق الضرر بها يؤدّي إلى خلق ثغرات أمنيّة يُمكن عبرها تسلّل المسيّرات؛ فحين يكون هدف الأبراج رصد الطائرات المسيّرة ويتمّ تدميرها، يفقد الإسرائيلي القدرة على الرؤية ليُنفَّذ الاختراق جوّا".

ووفقا لتقديره، فإنّ أبراج المراقبة والتجسّس المنتشرة على الجهة الإسرائيليّة يبلغ عددها حوالي 15 برجا، بينما يتجاوز عدد المواقع العسكريّة العشرة مراكز، وتضمّ كاميرات تصوير وتقنيّات رصد حراريّ، فضلا عن وجود مواقع مستحدثة "بسبب الأضرار الكبيرة التي لحقت بالمراكز الرئيسيّة".

أضاف "خلال الأيام الأخيرة شهدنا استهدافا للقبّة الحديديّة الإسرائيليّة المولجة برصد الأجسام الطائرة وتدميرها قبل وصولها إلى هدفها؛ لكن المسيّرات تتحرّك بشكل بطيء، مما يصعّب كشفها سريعا؛ وبحال إعادة ضبط القبّة لمحاولة رصدها، فحينها سترصد كل ما هو يشبه سرعتها في الحركة مثل الطيور".

وقال "الثغرة لدى الاحتلال الإسرائيليّ بعنصر المفاجأة الذي أظهره حزب الله، بإمكانيّة رصده للمواقع العسكريّة المستحدثة؛ فالمواقع الأساسيّة معروفة، ولكن المخيّمات والمباني التّي تم إنشاؤها خلال الأسابيع الماضية وتمكن (حزب الله) من تحديدها (أمر) يطرح تساؤلاً لدى قيادة الجيش الإسرائيلي، كيف استطاع الحزب تأمين هذه الإحداثيات؟"

ويرى فرح أنّ الطائرات المسيّرة التي تخترق الأجواء الإسرائيليّة تساهم في معرفة المواقع العسكريّة "لكن يبقى هناك غموض في حصول حزب الله على الإحداثيّات؛ فهل هناك معلومات تصله من إحدى الجهات الخارجيّة، أم إنّه يمتلك تقنيّات من الذكاء الاصطناعي تُمكّنه من التجسّس على الجنود الإسرائيليين؟"

 

* الهجوم البريّ

واعتبر فرح أنّ استحداث جيش الاحتلال الإسرائيليّ لواء (ههاريم) في شهر مارس آذار الماضي تحت قيادة اللواء 210 ليغطّي المنطقة الممتدّة من جبل الشيخ ومزارع شبعا، أي الحدود الشماليّة اللبنانيّة السوريّة، يأتي "استعدادا لأيّ هجوم من جهة البلدين".

وقال "اللواء أجرى تدريبات عسكرية في مناطق تضاريسها الجغرافيّة تتشابه مع الجبهة اللبنانيّة من حيث صعوبة الوديان والجبال والتلال... لكنّ ردّ حزب الله جاء قبل أيّام من خلال عملية على موقع راميا العسكري".

أضاف "حزب الله نفّذ هجوما مباشرا بالأسلحة المباشِرة والقذائف الصاروخيّة من مسافة قصيرة؛ وبحسب المقطع المصوّر الذي نشره الإعلام الحربيّ للحزب، فإنّ المشاهد تدلّ على أنّ المواجهة كانت بريّة وعلى مقربة من الموقع العسكري، وهي رسالة على استعداد المقاتلين (عناصر حزب الله) لصدّ أيّ هجوم إسرائيلي أو اقتحام المواقع العسكريّة من قبل الحزب".

وحول إمكانيّة اتساع رقعة الحرب، يرى فرح أنّ العمليّات العسكريّة خلال الأسابيع الثلاثة الماضيّة "تشير إلى أنّ حزب الله هو من صعّد القصف بإدخاله أسلحة جديدة، وتحديدا في الدفاع الجويّ، بإسقاطه عددا من المسيّرات واستهدافه طائرات حربيّة، مما يدلّ على أنّ قيادة الحزب استكملت تجهيزاتها للحرب الأوسع".

وتابع "كلّ استهدافات حزب الله كانت في منطقة الجليل (المنطقة الشمالية) بحرائق كريات شمونة وإرسال مسيّرات انقضاضية بالعشرات والوصول إلى حيفا الساحلية؛ فهل يستطيع الإسرائيلي تحمّل هذا الضغط من كسر معادلة الردع في الجبهة الشمالية؟"