النجاح الإخباري - مع تعرض "حزب الله اللبناني" إلى ضربة كبرى في الحرب الأخيرة مع اغتيال ابرز قياداته، وانشغال إيران بملفاتها الداخلية ومفاوضاتها مع الولايات المتحدة حول برنامجها النووي، وسقط نظام بشار الأسد، ومحاولة حكومة أحمد الشرع كبح جماح التنظيمات الفلسطينية في سوريا، لم يتبق لمحور المقاومة الذي تندرج حركة حماس تحت ظله إلا الحوثيين كورقة ضغط على الاحتلال الإسرائيلي.
وجاء الصاروخ اليمني الذي استهدف مطار بن غورين ليحدث "فرقا كبير" كما وصفه الكاتب والمحلل السياسي هاني المصري لـ"النجاح الإخباري".
رفع الصاروخ الحوثي الذي وصف بالثقيل والنوعي من منسوب القلق في تل أبيب وواشنطن على حد سواء. فالحدث لم يعد محصورًا في إطار الردود التكتيكية بقدر ما يكشف عمق التحولات الجارية على خطوط النار والتحالفات والمصالح.
تل أبيب: تهديدات غاضبة وخيارات محدودة
ويرى المصري في حديثه لـ"النجاح" أن "إسرائيل في حالة غضب شديد وتهديدات كبيرة تصل حتى التهديد بضرب إيران، وليس فقط المشاركة في ضرب اليمن"، ما يعد تطورًا لافتًا في لهجة التلويح بالقوة. لكنه رغم ذلك يستبعد أن تقدم إسرائيل على توجيه ضربة مباشرة لطهران من دون موافقة أمريكية واضحة، مستدركًا أن الحدث "يرفع احتمال قيام إسرائيل بنفسها بضرب اليمن، ويمكن أن تقوم بضرب إيران"، وهو ما قد يدفع طهران إلى الرد وتفجير المشهد الإقليمي بأكمله.
في هذه اللحظة المتوترة، تبدو إسرائيل حريصة على تعطيل أي تقارب أمريكي – إيراني. ويربط المصري بين إقالة مستشار الأمن القومي الأمريكي ونائبه، ومواقفهم المؤيدة لتغليب خيار الضرب على التفاوض، في انسجام مع الرؤية الإسرائيلية.
واشنطن بين الانقسام وقرارات رجل الصفقات
المشهد داخل الإدارة الأمريكية، كما يصفه المصري، ليس متماسكًا، بل يحمل انقسامًا واضحًا بين تيارين: أحدهما يصعّد أكثر من المتطرفين الإسرائيليين، ويؤمن بالضرب لا الحوار، بينما التيار الآخر يضع "أمريكا أولًا"، ويرى أن تحقيق الأهداف الأمريكية لا يكون بالضرورة عبر الحروب بل عبر "السلام بالقوة"، أي فرض الهيبة والضغط دون الولوج إلى المواجهة المباشرة إلا إذا كانت ضرورية.
ومع عودة ترامب إلى الواجهة، يشدد المصري على ضرورة عدم الاطمئنان لخطابه، واصفًا إياه بأنه "إنسان متقلب"، تحكمه قاعدة انتخابية من "المسيحيين الصهاينة الذين يزايدون على الإسرائيليين تطرفًا".
ويضيف: "رغم أهمية زيارة ترامب كمحطة مهمة، إلا أنه لا يمكن المراهنة على أنه سيطالب بوقف الحرب مقابل الصفقات الكبرى".
ترليونات الخليج... والصفقات أولًا
ما ينتظر المنطقة اليوم ليس مجرد مليارات، بل "ترليونات"، بحسب المصري، الذي يشير إلى أن ترمب يسعى إلى جني المليارات خلال زيارته للمنطقة العربية.
لكن المصري يضع احتمالا آخر: أن تستغل بعض الدول العربية زيارة ترامب لدفعه نحو مواقف أقل دعمًا للحرب، على قاعدة أن هذه الفرصة قد لا تتكرر. "هذا رجل صفقات، لن يضيع الصفقات عشان نتنياهو"، بحسب المصري، مؤكدًا أن الرأي العام داخل إسرائيل نفسه بدأ يتحول، وهناك "أغلبية تطالب بوقف الحرب مقابل إطلاق سراح الأسرى".
الواقع في غزة... وغياب الحل العسكري
وسط هذه التحولات، يبقى الواقع في غزة شاهدًا على فشل الاستراتيجية الإسرائيلية في تحقيق أهدافها. يقول المصري: "إسرائيل دمرت قطاع غزة وجعلته منطقة غير صالحة للحياة، ومسألة القضاء التام على المقاومة هي مستحيلة".
ومن هنا، يرى أن الرهان الفلسطيني والعربي يجب أن يتحول إلى أدوات أخرى: "نحن لا نملك صواريخ ولا حلاً عسكريًا، لكن نملك أوراقًا اقتصادية ودبلوماسية ومؤسسات دولية، يجب أن نستخدمها حتى الحد الأقصى"، داعيًا إلى إقناع الدول العربية بأن "لا تبالغ في الخوف من المشروع الإيراني، لأنه في موقع الدفاع ويسعى إلى كسب ودّ العرب أكثر من أي وقت مضى".
هل ستكون السعودية قاطرة التغيير؟
ويراهن المحلل السياسي هاني المصري على المملكة العربية السعودية باعتبارها الدولة الوحيدة القادرة على جرّ باقي الدول العربية نحو مشروع توازن إقليمي جديد. "السعودية لما تشد حالها بتشد الدول العربية، هي الدولة المؤثرة"، يقول، موضحًا أن هناك تغيرًا ملموسًا في سياسات المملكة، يتجلى في تنويع الشراكات الدولية، وتعزيز العلاقات مع الصين وروسيا وحتى إيران، دون التنازل عن العلاقة مع واشنطن.
في هذا السياق، يرى أن مشروع "السعودية 2030" بحاجة إلى نجاحات إقليمية حقيقية، لن تتأتى دون "دور فاعل وقيادي متزايد"، معتبرًا أن "سيطرة إسرائيل على المنطقة ستضر بالدول العربية التي تطمح للعب دور كبير، وليس في مصلحة السعودية ولا مصر ولا العراق".
اللحظة السياسية الراهنة حبلى بالتحولات، ومحفوفة بالمخاطر. ووسط التصعيد والتلويح بالحروب، يدعو الخبراء والمحللون إلى عدم الركون للانتظار أو الاكتفاء بالتنديد، بل إلى التحرك على كل المستويات، والاستفادة من كل ما تبقى من أوراق، يقول المصري: "الاهتمام الكبير بما يجري في فلسطين" ليس كافيًا بحد ذاته، ما لم يقترن بفعل عربي حقيقي، ومشروع إقليمي جامع.