النجاح -

تستخدم قوّات الاحتلال ما يُسمى بالرصاص المطاطي منذ ثمانينات القرن الماضي، وبحسب تقارير فقد قتل هذا الرصاص خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى على الأقل (58) فلسطينيًا، استشهدوا في الفترة ما بين (يناير/كانون الثاني 1988 وحتى نوفمبر/تشرين الثاني من العام 1998)، منهم (28) طفلًا، وتشير التقارير نفسها إلى أنّ هذا السلاح قتل ما بين عام (2000 وحتى عام 2012) على الأقل (18) فلسطينيًّا منهم (12) طفلًا.

والرصاص المطاطي هو رصاص من فولاذ أو معدن قطره (40) ميليمترًا، مغلف بطبقة رقيقة من المطاط، ويُستخدم اليوم في مدينة القدس المحتلة نوعان من هذا الرصاص، الأسود والأزرق.

وقد بدأ استخدام الرصاص المطاطي الأسود مع بداية المواجهات التي شهدتها مدينة القدس منذ (يوليو/تموز 2014)، وهو أكثر وزنًا وأخطر إصابةً من الرصاص المطاطي الأزرق، فيما يبدو ذلك إحدى الإجراءات التنكيلية التي فرضتها سلطات الاحتلال على القدس بعد استشهاد الطفل "أبو خضير".

وتروّج شرطة الاحتلال الرصاص المطاطي بنوعيه الأسود والأزرق تحت عنوان "الأسلحة لتفريق التظاهرات"، وبحسب تعريفها لهذه الأسلحة فإنّها "أسلحة تهدف إلى فرض النظام وتفريق التظاهرات، من دون التسبب بأذى لحياة البشر". إلا أن الإصابات الكثيرة التي سجلت العام الماضي في القدس، تشير إلى أن وصف "المطاطي" لا يعكس حجم ما يتركه هذا الرصاص من إصابات بالغة.

وفي التعريف الدولي له "يعتبر قذائف مطاطية، أو مغطاة بالمطاط أو رصاص عادي مصنوع من الفولاذ الصلب ولكنه مغطى بطبقة من المطاط -مع العلم أنّ المطاط لا يقلل من الخطورة- وهو متعدد الأشكال فمنه الاسطواني أو الكروي، ويمكن إطلاقه من أسلحة نارية عادية، أو من بنادق الشغب، صممت لكي تكون أقلّ ضررًا كبديل عن القذائف المعدنية.

وكالقذائف المماثلة الأخرى المصنوعة من البلاستيك والشمع والخشب، فإنّ الرصاص المطاطي يمكن استخدامه في التدريب القصير المدى، وفي السيطرة على الحيوانات، ولكنها تستخدم بشكل واسع في مظاهرات الشغب على يد قوّات مكافحة الشغب.

وهو غير مميت طالما لا يطلق من مسافات أقل من (40) مترًا ولكن يؤدي إلى أضرار بالغة أو الشلل في حالات الإصابة في أماكن حساسة، كما يؤدي إلى تشوهات في الجسم وعدم توازن أثناء الحركة وصعوبة في المشي نتيجة الآلام المتسببة في القدم وغيرها من الأضرار الجسدية البالغة والتي تحدث في حال عدم الوفاة، وتكمن خطورة استخدامه في استسهال المجتمع الدولي بشأنه واعتقادهم بقلة ضرره واستباحة استخدامه في أبسط الظروف والمناسبات مع العلم أنّ الأضرار الناجمة عنه تكون حسب مسافة الإطلاق.

في المقابل، تُحذّر تقارير حقوقية متكررة إلى أن ما يدرج تحت هذا التعريف من الأسلحة هي في الحقيقة أسلحة قاتلة، وتتهم منظمات حقوقية إسرائيلية جيش وشرطة الاحتلال عادةً بأن التعليمات التي يعطونها للجنود وأفراد الشرطة بخصوص استخدام هذا النوع من الأسلحة غير واضحة وغير ملائمة، عدا عن أنها تخترق بشكل ممنهج وواسع.

وكانت جمعية حقوقية إسرائيلية باسم "جمعية حقوق المواطن في إسرائيل"، قد طالبت بداية الشّهر الجاري المستشار القضائي لحكومة الاحتلال بفتح تحقيق في استخدام الرصاص المطاطي الأسود خلال المواجهات التي شهدتها مدينة القدس في النصف الثاني من عام (2014)، وتقول الجمعية إنّ دليل الاستخدام المرافق للرصاص المطاطي الأسود الجديد ساري المفعول منذ الأول من يناير/كانون الثاني (2015) فقط، مما يعني أنّ جنود الاحتلال كانوا يستخدمونه طيلة الفترة السابقة  دون وجود أيّ تعليمات أو معايير تحذيرية مرفقة.

وبحسب دليل الاستخدام المرفق مع هذا السلاح، وتحت بند "قواعد الأمان"، كتب أنه يجب على الجنود التعامل مع هذا السّلاح وكأنه رصاص حيّ، ويبدو ذلك كأنه اعتراف ضمني بخطورة هذا السّلاح وأنه يسبب القتل في ظروف معينة، بينما تروج له سلطات الاحتلال وكأنه "سلاح خفيف" مصمم فقط لتفريق التجمهرات.

وفي بند كتب بالخط العريض، يذكر دليل الاستخدام أنّ على الجندي توجيه هذا النوع من الرصاص إلى الجزء السفلي من جسم الانسان فقط، وأن الهدف منه هو "إصابة المتظاهر إصابة غير حادة، تؤدي إلى إعاقة حركته مؤقتاً لتسهيل اعتقاله"، مع الإشارة إلى "القوانين والتعليمات" في دولة الاحتلال ليست هي القول الفصل، وأنّ ما يحدث على أرض الواقع هو الدّال والمهم، فأغلب المصابين بالرصاص المطاطي في مدينة القدس أُصيبوا في القسم العلوي من أجسادهم، وبالأخص في منطقة الوجه، وأنّ الهدف كان إصابتهم وليس السيطرة عليهم لاعتقالهم لاحقًا، كما يدّعي دليل الاستخدام.

وبغض النظر عن المطالبات الحقوقية التي تصدرها جمعيات إسرائيلية، فإنّ المنطق الإسرائيلي يحكمه الأمن لمستوطنيه، يبدو ذلك واضحًا من ردّ أحد أفراد شرطة الاحتلال على والد الطفلة "آلاء حمدان" (15 عاماً)،والتي أُصيبت برصاصة مطاطية في وجهها بالقرب من منطقة العين، قال والد "آلاء" لـ "العربي الجديد": ذهبت لمركز شرطة الاحتلال لتقديم شكوى بخصوص إصابة ابنتي فردّ علي الشرطي: طالما استمرت المواجهات في العيسوية، فهذا ما سيحصل لكم".