وكالات - النجاح - ما فعلته الكويت بإطلاق اسم «القدس عاصمة فلسطين الأبدية على دورة معرض الكتاب في دورته 43، ليس مجرد احتفاء عادي، هو موقف يسجل وسط أحداث سياسية وتساؤلات عن موقع فلسطين من الأولويات العربية، وفي وقت يشعر البعض بأن العدو أصبح يتسلل مقترباً من حيث لا نحتسب، بعد أن كان محاصرا ومرفوضا ومقاطعا. وكانت زيارة وزير الثقافة الفلسطيني د. إيهاب بسيسو للكويت لافتتاح المعرض، وإلقاء محاضرة ضمن فعالياته، فرصة لطرح بعض التساؤلات عليه حول دور المحيط العربي في العمل على «ديمومة الوعي» بالقضية الفلسطينية، ورأيه بتلك «الاختراقات» التي حققها العدو عربياً، ووجهة نظره من الترجمة عن العبرية للعربية. وبداية تحدث د. بسيسو عن أهمية إطلاق الكويت اسم القدس على الدورة الحالية لمعرض الكتاب.

ووفقا لـ"القبس الكويتية" التي أجرت حوارا مع وزير الثقافة الفلسطيني، قال بسيسو: نثمن هذه المباردة من دولة الكويت الشقيقة بإطلاق القدس عاصمة أبدية لفلسطين على هذه الدورة 43 من معرض الكويت للكتاب، وباعتقادي أن هذه المبادرة لها الكثير من الدلالات المهمة، أولاً الحرص على ديمومة الوعي تجاه فلسطين رغم كل التحديات التي نواجهها سياسياً و ثقافياً، ثانياً هي تعزيز للعلاقة التاريخية بين الكويت وفلسطين، وهذه الخطوة تأكيد على متانة هذه العلاقة، وثالثاً فتح الآفاق لمزيد من العمل والتعاون المشترك في المجال الثقافي، الذي يخدم الشعبين، ويصب بالنهاية في مصلحة الانتصار للحرية والعدالة، لهذا كان لهذه المبادرة عظيم الآثر في نفوسنا، وباعتقادي أن هناك الكثير مما يبنى على هذه الدورة من تعاون ثقافي بين فلسطين والكويت، وأتوجه بالشكر والتقدير للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، ووزارة الإعلام لتخصيصها هذه المساحة من خلال جناح فلسطين، الذي أخذ صورة مسجد قبة الصخرة في هذه المساحة المميزة من المعرض.

منصات شبابية
تجولت في معرض الكتاب وكان لديك اهتمام خاص بالاطلاع على دور النشر «الشبابية»، ما هي الانطباعات التي خرجت بها بعد هذه الجولة؟

ـــ دعيني أبدأ بالحديث عن التنظيم، فهناك جهد واضح لجهة تنظيم هذا المعرض، والاستفادة من مختلف الإبداعات الموزاية لصناعة النشر، كالتصوير الفوتوغرافي والفن التشكيلي والكاريكاتير والتكنولوجيا. هذه المساحات المشتركة مع الكتاب تخلق وعيا جديدا تجاه الثقافة وتجاه الكتاب، وبالتالي المواءمة بين التكنولوجيا والفنون المختلفة وصناعة الكتاب، تخلق لوحة متكاملة للفعل الثقافي.

المساحات التي شدت انتباهي هي المساحات التي خصصت للشباب من خلال دور النشر الصاعدة والجديدة في الكويت والخليج، هذه المبادرات الشابة تحمل في طياتها رسالة أمل وعمل، وهي بكل تأكيد بحاجة للمزيد من التطوير.

لكن إذا نظرنا إليها من الجانب الاستراتيجي، هناك اهتمام من جانب الشباب لمواكبة الفعل الثقافي بالحرص على النشر وتعدد النشر وخلق مساحات واسعة لجيل جديد من الكتاب والمبدعين، وباعتقادي هذه مسألة إيجابية لأننا بحاجة إلى التجديد ورفد هذا النهر الثقافي بأسماء جديدة. ولكن كيف يمكن الاستفادة من هذا الزخم بحالة ثقافية تعود بالفائدة على المجتمع، لا نريد أن يكون هذا الجهد منفصلا عن المجتمع، وكأنه حالة خاصة في المجتمع، أن تكون هناك انسيابية، والقدرة الإبداعية قادرة على أن تحمل نبض المجتمع والتراث والتاريخ والتطلع نحو المستقبل، إذا نجحت هذه المبادرات أن تخلق هذه المساحات فباعتقادي نحن امام ظاهرة ثقافية بالغة الأهمية. منصات الشباب ودور النشر التي قمت بجولة عليها مهمة جدا، وتؤسس لمرحلة جديدة، وباعتقادي من المبكر القول ما هو التأثير، وكيف يمكن لهذا التأثير أن يلعب دورا في شكل الثقافة وصناعة النشر، ولكن علينا أن ننظر إلى طبيعة التعاون والاهتمام بأن تقوم هذه المبادرات بهذا الدور.

أسطورة العنقاء

أليس غريبا برأيك أن يحتاج الفلسطينيون الى بذل جهد كبير للفت أنظار العرب إلى قضيتهم بعد حوالي سبعين عاما على النكبة، وحديث البعض عن أن آباءهم لا يعرفون شيئاً عن فلسطين وقضيتها؟

ـــ بالنظر دائما إلى نصف الكوب الممتلئ، فإن التغيرات التي حدثت منذ سبعين عاما حتى اللحظة، هي تغيرات تلقي بظلالها على الكثير من المظاهر سواء السياسية أو الاجتماعية. إذا أردنا القول ان هناك أهمية لاستمرار الجهد من أجل ديمومة الوعي، فإننا بهذا نقول ان قانون الطبيعة لا يقبل الفراغ، وبالتالي هناك جهد مستمر لضمان هذا الوعي العربي بالقضية الفلسطينية، ونحن حريصون على أن نأخذ بعين الاعتبار التحولات السياسة والكثير من القضايا والمتغيرات، فعندما أتحدث عن الوعي تجاه فلسطين لا أتحدث عن تاريخ 1948، فالمؤامرة على فلسطين كانت تسبق هذا التاريخ. وبالتالي هناك الكثير من المحطات التاريخية والسياسة التي أثرت بشكل أو بآخر على مسار القضية الفلسطينية، لذاك نحن نقول ان فلسطين وفية لأسطورة العنقاء، وكلما يظن البعض أنها انتهت مع الرماد ومع الحريق تعود لتتشكل من جديد. نحن نحرص على ديمومة الوعي، وهناك تحد كبير على المستوى الوطني الفلسطيني، فلا يمكن أن تتحول القضية الفلسطينية إلى قضية مساعدات إنسانية أو قضية ذات طابع اقتصادي، فهي قضية وطنية وقضية تحرر وحقوق.

مسارات وضغوطات
تحدثت في محاضرتك، التي أقيمت ضمن فعاليات المعرض، عن الجهد الذي تبذله وزارة الثقافية الفلسطينية في العمل على «ديمومة الوعي» بالقضية، ولكن هل من المنطقي أن يكون الجهد فلسطينيا فقط، ألا يفترض أن يكون للعرب دور وجهد موازيين؟

ـــ عربيا فلسطين ساهمت في نهضة عربية، وكان لفلسطين دور في النهضة الثقافية في أغلب الدول العربية، وهناك مساهمات وأسماء لعبت دورا في تطور المشهد الثقافي في أغلب الدول العربية، علينا البناء على هذا، فهؤلاء كانوا جسر محبة وأمل مع الدول العربية، والاستفادة مما تركوه من أثر ثقافي يعود على فلسطين والدول العربية، بحيث يكون لهم دور في الحاضر أيضا. نحن نستند إلى علاقة فلسطين بعمقها العربي من أجل أن نقول ان القضية لم تنته. ربما تضعف المسارات أحيانا بسبب ضغوطات سياسية، ولكن مازال أمامنا طريق طويل نحو الحرية وحول عودة اللاجئين وإقامة الدولة.

نحن نسعى الى أن يكون هذا الدور دورا مشتركا، وهذا جزء من حرصنا على تفعيل العلاقات العربية من خلال الاتفاقيات الثنائية والعمل المشترك تحت مظلة الجامعة العربية والمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم وغيرهما. أظن أن هناك رغبة حقيقية في أن تكون بلورة استراتيجية ثقافية داعمة لفلسطين، ولكن ندرك أن هناك صعوبات وتحديات.

جسور نحو "إسرائيل"

تتحدث عن مد جسور محبة مع المحيط العربي، في الوقت نفسه الذي نرى البعض يمد الجسور مع «إسرائيل». ما تعليقك؟

ـــ هذا جزء من الصعوبات التي يواجهها العمل الفلسطيني، وبالتالي لا يمكن أن نستسلم لأننا أصحاب قضية وحق. هذه المسائل قد تتفاوت من مرحلة إلى مرحلة، أو دولة إلى دولة، ولكننا بالنهاية نغلب العام على الخاص، ونراهن على أن يكون لدينا الاختراق المضاد. لا نريد لهذا الحراك السياسي الذي تقوم به بعض الدول هو الذي يسيطر على المشهد. دائما هناك عمل سياسي فلسطيني، ودائما نريد أن تعود البوصلة إلى طريقها، ونحن ملتزمون بالمناسبة بالمبادرة العربية ونقطة الانطلاق في العمل السياسي الفسلطيني في الالتزام العربي بهذه المبادرة.

هناك جدل حول موضوع الترجمة إلى العربية عن العبرية، البعض يتخوف منها، وربما يرى فيها «تطبيعاً» ثقافياً، والبعض الآخر يرى أننا يجب أن نترجم من دون هذه التحفظات، وأن نتعامل «بموضوعية فكرية»، ما هي وجهة نظرك في الموضوع؟

ـــ من أهم المراكز الرائدة في فلسطين هو مركز مدار للدراسات الاسرائيلية، الذي يعنى كثيرا بالترجمة عن العبرية سواء في التوجهات السياسية أو القانونية أو غيرها. وبرأيي أن مركز مدار لعب دورا حتى في ترجمة القوانين العنصرية التي صدرت في إسرائيل. وهناك الكثير من الإصدرات المهمة، منها «المشهد الإسرائيلي» الذي هو كشاف لطبيعة السياسة الاسرائيلية في المجالات المختلفة، وباعتقادي أنه من المهم الاطلاع على الكيفية التي يفكر فيها الآخر، وكيفية ترجمته لذلك سياسيا.

السؤال المطروح في أي ترجمة هو؟ لماذا نترجم؟ وباعتقادي من المهم جدا أن يكون هناك فضاء لمعرفة كيف يفكر الآخر، لأن الآخر أيضا يترجم. لا نريد أن نحاصر أنفسنا بأنفسنا، وبتقديري من المهم العمل على الرؤية والتخطيط والتنفيذ، وأن نعرف هدفنا من الترجمة، فالترجمة عن الانكليزية أو الفرنسية لها هدف مختلف عن الترجمة عن العبرية.

المعرفة سلاح قوة، ولا يمكن أن نحاصر المعرفة، ونقول ان هذه هي القوة، هم يترجمون إلى العبرية عن العربية، لأن هدفهم من الترجمة مختلف. لذلك نحن بحاجة الى معرفة التكوين السياسي والطبقات التي تتحكم بالعقلية السياسة عند المحتل، وأن نعرف كيف يفكر الاسرائيلي وكيف يرانا. باعتقادي مسألة الترجمة في هذا السياق أداة من أدوات النضال والمقاومة.

نقلا عن صحيفة القبس الكويتية