حنان باكير - النجاح - تشكيلة أوجاعنا لا تحصى عددا، وأسبابها كذلك. لكنا ومنذ ما يسمى "الربيع" العربي، عادت تستوقفني فكرة، كيف أننا تحولنا الى شعوب أرقام. هجست وكتبت في هذا الموضوع منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي. حقا وبكل أسف، نعترف بأننا صرنا شعوب أرقام، ضحايانا وقتلانا هم أرقام. معتقلونا وأسرانا هم أرقام أيضا. وحتى مقابرنا هي مقابر أرقام! وكأننا لا نملك ملامح البشر، وليس خلف كل "رقم"، عائلة وأحبة. فالملامح الانسانية حكر على فئة معينة.

أذكر لازمة جدتي، حين كانت تسمع بحادثة موت أحدهم، تقول: أول ما يموت الواحد، بصير كإنو ما كان! وحين ترى شيئا من مخلفات مرحوم، تقول: كل شي أحسن من بني آدم! ويؤكد ذلك شاعرنا، "تنسى كأنك لم تكن"..

أيقظ بي هذا الموضوع، حادثة السفارة في الأردن، وسقوط ضحيتين بريئتين، حتى أنا في خطابي ذكرتهما كرقمين، وصارا نسيا منسيا، كمادة إعلامية، وبالنسبة للجميع، الا لأحباب يكتوون بوجع الفراق، والشعور بالعجز في مواجهة الظلم.. فيما القاتل صار بطلا ونجما لدى صديقته ووسائل الإعلام، لأنه ببساطة، لا ينتمي لشعب الأرقام، فدولته ترفض ذلك.. ألا تقايض الرجل الواحد منهم، بألف رجل من خصومها!

كلنا نتذكر " قرش شدمي". وشدمي هذا هو اللواء قائد كتيبة حرس الحدود، الذي أعطى أوامره، للقيام بمجزرة كفر قاسم. فعلى أثر الضجة الواسعة، التي سادت القرى، جرت محاكمة المسؤولين عن المجزرة، التي ذهب ضحيتها إثنان وخمسون ضحية، وما زالت الذاكرة تحفظ أسماءهم. فجرى تغريم "شدمي قرشا اسرائيليا واحدا! أما باقي مرتكبي المجزرة، فقد صدرت بحقهم أحكام مختلفة بالسجن، وسرعان ما انهالت التخفيضات على تلك الأحكام، من كل جانب، حتى تم الإفراج عنهم! فمتى يولى علينا من يخرجنا من دائرة الأرقام، الى دائرة اهتمام دولنا!

منجل الموت يحصد الأرواح بلا رحمة منذ سنوات، في غير بقعة من عالمنا العربي، وكل يوم تتهاوى الأجساد، وتتكاثر الأرقام وتزداد الأصفار أمام تلك الأرقام! أعداد المفقودين بالاختفاء القسري، وتحت الأنقاض، وفي أقبية التعذيب، بعضهم صار رقما، وبعضهم لم ينل شرف الحصول على رقم، فقد تبخر وانقرض، ولم يحمل معه رقما للتعريف به.

ذات مرة، ومنذ سنوات ليست بعيدة، تأملت خيرا بالتغيير، حين قامت الدنيا ولم تقعد، يوم قتل عنصري ألماني، امرأة عربية مقيمة في ألمانيا واسمها أروى، على ما أذكر. تدخلت سفارة بلدها في ألمانيا، وحضر أهلها، وضجت كل وسائل الإعلام، بقصتها، ونسجت فيها المراثي. في وقت تقتل النساء، وبأعداد هائلة، في بلدها في ما يسمى، جرائم شرف وغير شرف، دون حسيب أو رقيب. وكان أن أعلنت أروى الإنسانة الضحية، وكرست بلقب "شهيدة الحجاب"! فكل شيء يعلو على قيمة الفرد الإنسانية.. رحلت امرأة صبية، وتيتم أطفالها، وربما تفسخت عائلتها.. لكن يبقى الأهم أن الحجاب هو الضحية والمستهدف، وصار قيمة اجتماعية وانسانية مثلى، وتستحق الاستشهاد دونها.. الله يرحمك يا ستي، صحيح كل شي أحسن من بني آدم!

لا يفهمن أحد، أني أذم شعوبنا العربية، بل أنني أتمزق غيظا لأجله، وأحلم بأن يحمل كل فرد منه إسما وملامح انسانية، وليس رقما يأتي من العدم ويمضي الى العدم، وكإنوا ما كان..