سمير السعداوي - النجاح - قمة الازدواجية، عندما يندد مسؤولون في أميركا بـ «قرصنة» و «تدخل» روسيين، متجاهلين ممارسات الاستخبارات الأميركية في أنحاء العالم، هي التي أسست لفكرة أن الهجوم أفضل وسائل الدفاع وأعطتها تعريفاً عصرياً هو «الحرب الاستباقية».
وذروة النفاق، عندما يتوالى المسؤولون الفرنسيون أو الألمان على الحديث عن مخطط روسي للتدخل في انتخابات بلادهم، ويتجاهلون تماماً، معلومات عن تجسس الـ «سي آي أي» على الانتخابات الرئاسية الفرنسية عام 2012، لضمان عدم فوز حزب الرئيس السابق نيكولا ساركوزي مجدداً. معلومات أوردها موقع «ويكيليكس» ومرت مرور الكرام في باريس، في ظل التركيز على ظاهرة «فوبيا الروسي».
ويتجلى «الكيل بمكيالين» في أوضح نماذجه، عندما يتعلق الأمر بحاملي إقامات دائمة في الولايات المتحدة، تفرض عليهم قيود في تحركاتهم، كونهم من الدول السبع المشمولة بقرار الرئيس دونالد ترامب حظر سفر، علماً أن هذه الممارسة لا تراعي أن بين هؤلاء من اكتسب الـ «غرين كارد» عن جدارة وجهد، وتسديده الضرائب المتوجبة عليه لسنوات وامتثاله للقوانين، ربما أكثر من أي أميركي آخر اكتسب مواطنيته بالولادة ولم يبذل جهداً لنيلها.
ويبشر وزير الأمن الداخلي الأميركي جون كيلي بصيغة جديدة لحظر السفر يتوقع أن تصدرها إدارة ترامب هذا الأسبوع، ترفع القيود عن حاملي الـ «غرين كارد»، ولا تمنع المسافرين الآخرين من دخول البلاد طالما أنهم وصلوا إلى مطاراتها، وتكبدوا عناء السفر من أماكن بعيدة. صيغة، تمحو صورة عالقين تقطعت بهم السبل في مطارات أميركية، ما شكل فضيحة وأطلق العنان لموجة احتجاجات مناهضة للبيت الأبيض.
ويتوالى في الوقت ذاته، «فرار» مهاجرين من الولايات المتحدة إلى كندا بالعشرات، تحسباً لإقدام السلطات الأميركية على اعتقالهم وترحيلهم إلى بلدانهم الأصلية كما حصل مع مكسيكية أم لطفلين ولدا في الولايات المتحدة ولم يشفع لهما ذلك بحق الإقامة.
وينتفض الأميركيون والفرنسيون والألمان ومعهم مسؤولو دول عدة في شرق أوروبا، ويطالبون باتخاذ إجراءات ضد روسيا عقاباً لها على «ضغوطها» و «تدخلاتها» في شؤونهم الداخلية، فيما الشارع الأوروبي في مكان آخر تماماً، يحتضن تظاهرات شبه يومية تضم آلاف المطالبين بالدفاع عن المهاجرين، ليس حرصاً على حقوقهم فحسب، بقدر ما هو تمسك بمبادئ الإنسانية والتسامح والانفتاح ... وشرعة حقوق الإنسان أولاً وأخيراً.
أولئك الذين تظاهروا في برشلونة بالآلاف السبت الماضي دفاعاً عن المهاجرين، لا يهمهم كثيراً ماذا يفعل فلاديمير بوتين لمناكفة نظرائه بقدر ما تهمهم ممارسات «سيد الكرملين» في الداخل ومع شعبه، وأيضاً ممارسات القادة الآخرين وفي مقدمهم «سيد البيت الأبيض»... وقراراته التي تؤثر في عالم ينتظر انتشاله من مآس متعددة.
يعيش العالم عصر أخطاء فادحة وفاضحة، إذ كيف يمكن تفسير الإصرار على قرار بحجم انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مجهود بذل على مدى عقود لتوحيد القارة ونسف الحدود والجدران وإزالة كل ما يفرّق بين أوروبي وآخر؟ وكيف يمكن تبرير قرار ترامب التراجع عن العولمة بعدما دفع العالم ضريبتها الباهظة حروباً وصراعات على مدى عقود؟
تعود أميركا أو لا تعود، إلى العزلة والتقوقع، وتنقسم أوروبا وتتجدد الصراعات على أطرافها، تلك أمور يهتم بها أصحاب المصالح السياسية والتجارية الضيقة، أما الغالبية الساحقة التواقة إلى الانفتاح والتواصل والتسامح، فقد تجد نفسها ضحية الأخطاء التاريخية لقادتها... وستضطر للبحث عن ملاذ وسطي، يقيها «مطرقة» التطرف اليميني ومكائد الشعبوية، و «سندان» إرهاب يشيع الفوضى ويسوق للعنصرية، وكلاهما وجهان لعملة واحدة!